تعتبر عملية التقييم من أكثر المراحل صعوبة في هذه التجربة، وأعني بها التقييم والنشر مباشرة عبر مقالات، وقد أوضحت سياق هذه السلسلة في مقال “رحلتي مع هذه السلسلة”، وتكمن صعوبة التقييم والنشر بسبب طبيعة القارئ؛ فهناك جمهور عام مهتم بمثل هذه التجارب، وهذا لا يشكل لي صعوبة في الكتابة، وهناك جمهور قليل العدد، عظيم المكانة لدي، وهم الذين بدأت معهم هذه الرحلة يوماً ما، وقد يطلعون على بعض ما في هذه السلسلة، فيجدون حرجاً مما كتبت، أو يظنون أنني أسيء إليهم على المستوى الشخصي، وهذه المجموعة تعني لي الكثير، وتحتل مكانة كبيرة في قلبي، لذلك كان لزاماً عليّ هذا التوضيح، حتى يكون التقييم بناءً، لا بابًا للحرج أو سوء الفهم، أو مسرحاً للشيطان.
ولا تنضج أي تجربة دون حضور ثقافة التقييم والنقد، لأنها ضمان لبقائها على الطريق الصحيح، أو على الأقل لجعل اكتشاف الطريق الصحيح دائماً ممكناً، كما لا تتحقق النجاة في الدنيا والآخرة إلا بقوم يتواصون بالحق، وهذا التواصي يتطلب صبراً، صبراً على التواصي في ذاته كي يتم، وصبراً على مضمونه الذي ينزع الراحة والطمأنينة أحياناً، وصبراً على ما يلامسه فينا من جوانب شخصية تأبى الإنصات، لكن هل سننجو إن توقف التواصي؟ ليت ذلك كان هو الطريق؛ إذاً لأرحنا أنفسنا ومن حولنا، فلا نجاة بلا تواص، وهو ما يؤكده الله: “إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ” (العصر: 2-3).
وحتى يبقى التواصي بالحق والتقييم في مسارهما الصحيح؛ يجب أن يكون تقييمًا للفكرة لا حكماً على الأشخاص، فحتى إن أُشير إلى بعض الأخطاء التي قد يرى البعض نفسه فيها أو تلامس تجربته، فهذا لا يعني حكماً نهائياً عليهم، فما شأني بالحكم على الأشخاص؟! وهناك فرق بين تقييم الفكرة، أو السلوك الذي تولد عنها، وبين الحكم على الشخص ذاته.
ولسنا جميعاً أفضل من نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، الذي هذب الله سلوكه في قرآنه الكريم، ولم يتم ذلك عبر مقالات تختلف فيها الآراء، ولكن عبر قرآن يتلى إلى يوم الدين، فهل كان الله يريد إيذاء النبي بهذه التوجيهات أو العتاب في القرآن؟! مثل قوله تعالى: “عَفَا اللَّهُ عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ” (التوبة: 43)، وقوله: “وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَاهُ” (الأحزاب:37)، وقوله: “يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ ۖ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ ۚ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ” (التحريم: 1)، وقوله: “عَبَسَ وَتَوَلَّى” (عبس:1)، “أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى، فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى، وَمَا عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّى، وَأَمَّا مَنْ جَاءَكَ يَسْعَى، وَهُوَ يَخْشَى، فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى“ (عبس: 5-10).
هكذا يعلمنا الله أنه لا أحد فوق النقد والتوجيه كمبدأ عام، وبالنسبة لي عملياً أجتهد مراعاة الأصول في التقييم، والفصل بين الفكرة والشخص في حد ذاته، فإن انتقدت مثلاً تصرف شخص في مجال لا يعني أنني أراه سيئاً في كل شيء، بل قد أحب فيه أشياء لا تتعلق بالمجال الذي أنتقده، ولنأخذ مثلاً على شخص خاض غمار المجال الروحاني، وفي قلبه حب الله ورسوله، لكنه ضل الطريق من وجهة نظري، هذا الشخص أنظر إليه وأتعامل معه على عدة مستويات:
المستوى الإنساني: فإن كان صاحب خلق حميد، ويغلب خيره شره؛ أحببت لقاءه وصحبته.
المستوى الديني: إن كان من أهل الطاعة والسلوك إلى الله أحببت فيه هذه الخصلة وتعلمت منه.
مستوى العلاج: إن كان الله حباه إمكانية علاج المصابين بالأذى الشيطاني، ولا يطلب منهم صلة بالجن، فقط ذكر الله والقرآن وحسن الصلة بالله، أحببت فيه ذلك، ودللت الناس عليه.
مستوى المشيخة والأستاذية: إن كان طريقه خالصاً لله تعالى، ولا يجعل القلب متعلقاً إلا بالله، ويسعى لتزكية النفس؛ أحببت صحبته على هذا المستوى والتتلمذ على يديه.
هكذا أميز بين تلك المستويات، لذلك قد أقبل الشخص على المستوى الإنساني والديني مثلاً، ولا أقبله في مستوى الأستاذية، فأتعامل معه كصديق لا كشيخ، وقد أقبل شخصاً كمعالج لكنني لا أقبله شيخاً، فهو في العلاج لا يطلب سوى ذكر الله والدعاء، ولكنه في الأستاذية والتعليم قد يفتح بوابات أخرى لا تُحمد عقباها.
وهذه السلسلة تتركز بالأساس حول مستوى الأستاذية، أي أنها تناقش المنهج والمنتج لمن يريد تعلم هذا المجال، وقد تحدثت في أكثر من موضع أن نتائج العلاج كانت جاذبة للتعلم،ـ فمن يتلقى العلاج لم تكن تُطلب منه – فيما ألحظ – أي مخالفات، أو يتم تعليقه بأي كائن غيبي يعينه ويحميه، إنه فقط الله رب العالمين، وهذا ما شدني لدعوة الناس للعلاج على هذا النحو الصافي، وعندما انتقلنا من كوننا نشاهد أو نمر بتجربة العلاج؛ إلى أننا سنتعلمه، هنا انتقلنا إلى مستوى ثان، وفي رحلة التعلم بدأت تظهر شيئاً فشيئاً تفاصيل أخرى، وهي ما تتطلب الإشارة إليها والتنبيه من خطورتها، سواء لمن خاض معنا التجربة أو من يفكر في خوضها مع أي مدرسة تطرح نفسها كدليل للتعلم.
إنني حين أنتقد مساراً أو منهجاً لا أنتقد أفراداً لذواتهم، لأن الفرد ليس هو منهجه وليس هو مساره، فبإمكانه أن يغيرهما إن تبين له خطأ ما يقوم به، وقد فعلت ذلك شخصياً، فقبل سنوات اخترت خوض هذه الرحلة، وكتبت فيها سلسلة كاملة تبشر بها ومستقبلها، واليوم أنتقد المسار الذي اخترته، وأكتب فيه سلسلة أطول، هل هذا يعني رغبة مني في الإساءة إلى نفسي؟ قطعاً لا، فمن يختار المسار لا يرهب المراجعات والتغيير، ولا يرهب أي شيء يقال عن المسار، ولا يأخذه بمحمل شخصي، لأنه ببساطة قادر على تصحيح ما فيه اعوجاج، ومن ثم لن يكون تحت مظلة النقد، فقد تمكن من مغادرتها، فالنجاة الزائفة ألا يسمع الإنسان، أما النجاة الحقيقية أن يسمع ويفكر ويناقش ويصحح موقعه.
إنني حين أكتب هذه السلسلة أكتبها كواجب تجاه كل شخص خاض معنا هذه الرحلة، خاصة من قبلوا المشاركة ثقة بي، وهي ثقة لا تعني يوماً أنني دائماً على صواب، لكنها ثقة القائم على سلامة الطريق، المهتم بسلامة كل شخص، فأجتهد أن أسبق بخطوات، لأتأكد أن الطريق معبد، لكنني لن أتهيب كشف الخطأ وتوضيحه حين يتأكد لدي، وينتقل من الشك إلى اليقين، فالثقة هنا تعني أنني لن أدع شخصاً وثق بي دون أن أوضح له رأيي وموقفي، خاصة أنني حين كنت أدعو إلى هذا الطريق كنت أدعو له على مستوى العلاج، أي أن الشخص مدعو للاستشفاء لا للتعلم، ثم تم الانتقال بعد ذلك إلى مستوى الأستاذية، أن يكون هناك متدربين على العلاج، هنا بدأنا تقريباً اكتشاف طريق التعلم معاً في وقت متقارب، وبدا لي أن مسار الاستشفاء سيكون هو نفسه مسار التعلم، لكنني لم أجد فيه نفس درجة الاطمئنان، ومن هنا بدأت الأسئلة.. وهو ما تدور حوله هذه السلسلة.
قد يضيق البعض بما هو مكتوب، قد يشخصن الأمور ويتهم، كل هذا أغفره، فنحن بشر نصيب ونخطيء، ولا أحمل في صدري أي شيء لأحد، مهما قال أو فعل فيما يتصل بشخصي، فكل ذلك جزء من التجربة، وليبتلي الله ما في قلوبكم، حيث ينكشف كل شخص منا أمام نفسه أولاً.
ورغم ما قد يسببه التقييم من حرج أو سوء فهم، فإنه أمر لابد منه، أستطيع تجاوز أي إساءة في حقي، لكن ما لا أستطيع تجاوزه شرعياً ونفسياً وأخلاقياً؛ هو اعوجاج أراه في المسار أو المنهج دون تنبيه إليه، فهذا لا أرتضيه لنفسي أو غيري، وليس علي إلا البلاغ المبين، وفتح باب النقاش لمن رغب، وهو ما يمكنني فعله وفاء لمن وثقوا بي، أن أمد لهم يدي، حتى لو أشاحوا عنها.
وائل عادل
31-03-2026
جميع حلقات السلسلة
- ما بعد التصدعات
- محبوس في عالم الجن
- مشروع العلاج والبنية التحتية
- التحصين.. بناء قلعة أم فرار إلى الله؟!
- الكشف.. 3 في 1
- كشفي لا يخطيء
- بين الشيخ والمدرب
- انتقادات على الطريق
- تصميم الطريق
- بين الارتقاء الروحاني والإيماني
- أمصال على الطريق
- منهج التعلم
- أوارد أم فوانيس سحرية؟!
- الصحبة الناضجة
- نحو موسوعة الروحانيات
- لا تقصص رؤياك
- الشيخ المختطَف
- على من تَنَزَّل الشياطين
- !علم لدني أم علوم روحانية؟
- حرب الشيطان بين القوة الصلبة والناعمة
- مجربات بلا تجربة
- المعلم بين مصدر التوجيه ومصدر المعلومة
- الارتهان للشيخ
- مسبحة أم صنم؟
- التطبيع مع الجن
- إنه يفكر ويفكر
- التعامل مع الجن في القرآن
- لماذا فارقونا؟
- عطايا الجن
- كلنا “فتنة” يا عزيزي
- رسالة إلى الجن الصالح
- نمتن للبدايات ولا تستعبدنا
- اذهب أنت وربك فقاتلا
- صَدْمَتي مع “العلم اللدني”
- لماذا التزكية أولاً؟
- رحلتي مع هذه السلسلة
- السيناريو الكارثي
- لماذا أتوقف؟
- فزادوهم رهقاً
- لماذا أكتب… رغم الحرج وسوء الفهم؟


أضف تعليق