لماذا أتوقف؟

Published on

بوصة

حين أخوض تجربة؛ فإني أخوضها بكل كياني، وهذا ما يجعلها رحلة تطور أو تدهور، أو شيئاً بينهما، لأنها تؤثر في الفكر والمشاعر والنفس والسلوك، ولأنني حريص على سلامتي، أصغي للمؤشرات الحساسة لأي تأثير يتناول كياني بكل مكوناته، فحين أجد الإشارة الخضراء أنطلق في التجربة، وإن كانت برتقالية هدأت السرعة وتريثت، أما إن كانت حمراء فأتوقف تماماً، دون التفات لمغنم قد يضيع، لأنني أهتم أكثر حينها بما يمكن خسارته، وهي في هذه الحالة نفسي، وذلك هو الخسران المبين.

وفي تجربتي الروحانية لم تأت الإشارة حمراء دفعة واحدة أو فجأة، ولكني لمست الإشارة البرتقالية، فهدأت السرعة، وبدأت أحلل كل موقف، وكلمة، وفكرة، وشعور، وسلوك، سواء في أو فيمن حولي من المقربين، الذين يتشاركون معي أحوالهم، وعند نقطة مفصلية.. كانت الإشارة الحمراء واضحة.. توقف إجباري.

والتوقف هنا لا يعني إنهاء التجربة أو المشروع، فحتى التوقف والتقييم هو جزء منها، وقد يترتب عليه انطلاقة أقوى أو إنهاء المشروع، لذلك كان توقفاً شخصياً حتى أصل إلى نتيجة، ولم يكن التوقف يعني القطيعة مع الأشخاص أو الأنشطة، بالعكس، كنت أحضر الأنشطة لأتثبت من التقييم المبدئي لدي، فكان العقل والقلب في قمة التحفز، يراقبان ويقيمان، أي أنني لم أتوقف عن النشاط من حيث المشاركة، لكني توقفت تماماً من حيث التوحد معه، فكنت بداخله كمفتش أكثر مني كعامل ينتمي له، فلم أكن أركض داخل ملعب التجربة بحماس، بل أسير بحذر، فكانت استراحة تأمل، وهي تختلف عن  توقف الرفض.

وبالتأمل في التوقف كجزء أساسي من هذه الرحلة الروحانية؛ رصدت متى يجب علي أن أتوقف.

أتوقف لأن قلبي بدأ يتضرر، فما معنى أن يكون في البرنامج ذكر الله آلاف المرات – وهو أمر جيد يحيي القلب، ثم أغتال هذا القلب بتعريضه لسوء الظن والغيبة من خلال مجالس الكشف. أي قلب يتحمل هذا التناقض، بل أي قلب يتحمل طلب التعرف على أحوال الناس من خلال المكاشفات الروحانية، وهو عاجز عن التعرف على أحواله هو.

أتوقف لأن التجربة بطبيعتها روحية، وهي مرتبطة بتوحيد الله عز وجل أو الشرك به، وفور أن أحسست بذور الشرك تحاول التسلل إلى قلبي، توقفت، فهذه ليست مزحة، ولا اتجاه يمكن الاستمرار فيه لرؤية النتيجة النهائية، تكفيني هنا النتائج الأولية وأثرها علي، كان لابد من وقفة شخصية، ولم أدع أحداً للتوقف لأنها تجربتي الشخصية، التي ربما لم يلمسها، أو يعاني مما عانيته سواي.

أتوقف لأنني كنت أكثر سكينة وسلاماً قبل خوض التجربة، رغم أنني لم أكن أذكر الله بهذه الكثافة التي كان يطلبها البرنامج، لكن البرنامج ليس مجرد ذكر، فقلما وجدت شعور الخشوع والخضوع لله في مجالس البرنامج التدريبية، وبتعبير أهل المجال كنت أشعر بالطاقة النارية المستفزة تحيطنا أكثر من النورانية المريحة، هكذا كنت أشعر.

أتوقف لأن التجربة الروحية لا تُبنى على التحليل العقلي فقط، لكن لا يُستغنى عن العقل في تقييمها، فلا تُفهم الأمور كاملًا وهي تحدث، لكن يأتي دور العقل بعد ذلك، ليزن الأمور بميزان الشرع، وبدهيات التفكير، كأن يزن المقولات التي تفسر ما حدث من حيث قوة تماسكها وعدم تخبطها، وهو عمل كبير، حيث يتسلم العقل التجربة، منهجاً ومنتجاً، مسلطاً عليهما أدوات النقد، ليس تشككاً في حدوث التجربة، فهو يسلم بحدوثها، ويلمس أثرها، لكنه ينتقد تفسيرها المتداول، وحين يضعف التفسير، ويتخبط القول، ويكثر الخلط والتلبيس، من حق العقل أن يقول كلمته.. كفى، وإلا كان متواطئاً على نفسه، مستمراً رغم الشك، وهو ليس شك يتجاذبه تفسيران كلاهما حلو، بل أحياناً تفسيران متناقضان، أحدهما يوصل إلى باب الله، والآخر إلى ما لا تحمد عقباه..

أتوقف لأنني أرصد النتائج على المستوى الشخصي، في البداية كنت منبهراً وأجد نتائج سريعة، لكنني لم ألحظ تطوراً بعد ذلك، والاستمرار بالنسبة لي لم يكن يعني فائدة جديدة، بل بدأت التحديات الفكرية والنفسية تتكرر إن لم تتضاعف، لم أعد أرى الطريق آمناً، فلم يعد للاستمرار جدوى، وقد تعلمت دائماً مع أي مشروع أو فكرة، أن أعرف متى أتوقف.

أتوقف لأن التأثير والنتائج الملموسة وحدها ليسا دائماً معياراً كافياً للاستمرار، فالاستمرار يحتاج معايير أخرى معه، مثل القدرة على تفسير النتائج واستيعاب المنهج ومصدره، خاصة إن وُجد الشك فيه، وإلا لاستمر الإنسان إلى مالانهاية في مسار خطأ لمجرد أن له تأثير، فأحياناً تكون عدم القدرة على التفسير سبباً كافٍ للتوقف عن متابعة شيء ما، هل من الطبيعي الاستمرار في شيء بدأت تزيد حوله عندي الشكوك في الفهم المتداول حوله؟ أم أن الحيرة نفسها مؤشر مهم للتوقف؟ خاصة إن كان الأمر يتعلق بتوحيد الله عز وجل، وإفراده بالاستعانة والتوجه، فانتظار التفسير هنا لم يكن مقبولاً لي، فلن أخسر ربي من أجل تفسير مرتقب، قد يأتي أو لا يأتي، لذلك ففضول معرفة التفسير الحقيقي للظواهر لم يعد يهمني، خاصة إن كان الثمن علاقتي مع الله.

أتوقف لأنه طالما أنا مغموس في التجربة، فلن أستطيع تقييمها من الخارج، فهي جزء مني وأنا جزء منها، والمطلوب للتقييم الهاديء ألا أكون منها، بل شاهداً من خارجها، لها أو عليها,

هكذا كانت طبيعة التوقف، احترام للحيرة أولاً، ثم مراقبة للذات، ثم اتخاذ قرار بحذر، فلم تعد تهم الإجابات النهائية، المهم أن توجد طريقة للحصول على الإجابات، وهذه الطريقة قد توجد أو لا، ولا معنى للاستمرار قبل الوصول لطريقة سليمة للحصول على الإجابات وتقييمها، والاستمرار بدون ذلك لن يعني إلا مزيداً من الاستلاب للتجربة، والانصهار فيها.

وكان من مظاهر التوقف الصامت، التي قد يلحظها من حولي، كثرة الأسئلة، والاعتراف بعدم الشعور بتقدم، وتسليط الضوء على السلبيات، والتوقف عن دعوة مجموعات جديدة للمسار، ومحاولة بناء تصورات تصحيحية للمسار، لكن لم يشأ الله أن يحدث التصحيح بهذا الشكل المباشر، ولعله أراد بي خيراً.. لسان حال الأقدار يقول… مكانك ليس هنا.. فكان إبعادي من البرنامج.

وائل عادل

27-03-2026

جميع مقالات السلسلة

أضف تعليق