فزادوهم رهقاً

Published on

بوصة

“وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِّنَ الْإِنسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِّنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا” (الجن: 6)، هذه الآية كثيراً ما تتكرر في المجال الروحاني كدليل على خطورة الاستعانة بالجن، والرواية المشهورة في تفسير هذه الآية أنهم “كانوا في الجاهلية إذا نـزلوا الوادي قالوا: نعوذ بسيد هذا الوادي من شرّ ما فيه، فتقول الجنّ: ما نملك لكم ولا لأنفسنا ضرّا ولا نفعُا، فازدادت الجنّ عليهم بذلك جراءة”، كذلك جاء في معنى “فزادوهم رهقاً” أن الجن ازدادوا رهقاًً، أي إثماً، فالرهق في كلام العرب هو الإثم واستحلال المحارم،  وقيل الخوف أي فزادوا الإنس خوفاً.

وحين كنت في بداية هذا المسار متحمساً له كتبت في سلسلة تصدعات في عالم الغيب مقالاً بعنوان “كلية علوم الجن”، وعلقت فيه على هذه الآية قائلاً: “سيفهم البعض أن كل تواصل يجلب مشاكل للإنسان، أما الممارسة العملية فلا تخبرنا بذلك. لكنها تطرح أسئلة حول معنى “يعوذون”، وطبيعة “الرهق”، وهل يحدث الضرر مع كل أصناف الجن أم منهم الصالحون ومنهم دون ذلك؟ وما هي أشكال العلاقات التي تربط العالمين؟ ومتى تكون مفيدة ومتى تكون مضرة؟”

واليوم وبعد كثرة المشاهدات المتعلقة بهذا الموضوع أقول.. صدق الله، فلم تكن هذه الآية واضحة لي كما هي اليوم، كما أن الواقع كان خير مفسر للآية، وما كنت أظن “الرهق” بعيداً عني، حتى وجدت نيرانه توشك أن تمسك بي، “وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا ” (النساء: 83)، ومن وحي التأملات في تجربتي وغيرها، يمكن أن أعدد بعض أشكال الرهق الممكنة، والذي سأستخدمه هنا بمعنى “الضرر” بصفة عامة.

فهناك الرهق العقلي: حيث يضعف الإدراك تدريجياً، وينطفئ نور البصيرة، ويُدافع عن المسار دون تفكير أو مناقشة جادة، وبدلأ من البحث والتحري عن المشاكل والثغرات التي يشير إليها المنتقد؛ يتم تسليط السهام عليه، فترى العقل يضع متاريس قوية تحول دون النفكر فيما يقال، فتراهم ينظرون إليك وهم لا يبصرون، فلا سماع ولا إبصار، ولا مراجعة ولا نقد، فضلاً عن المفاهيم التي يتم حشوها في الرأس تدريجياً حول الجن وعلاقته بالإنس، فيتم الاستحواذ على العقل، استحواذاً على مستوى الوعي والمفاهيم، وآخر على مستوى تعطيل ملكة التفكر والنقد، فيجرد الإنسان من أداة أساسية للتمييز، ويبدأ البحث عن إجابات سهلة ومريحة لا تهز القائم، تدافع عن الذات أكثر مما تحررها من قبضة الشيطان المستحوذ على العقل.

أما من سيفكر، وينتفض ضد شيطانه، فسترهقه كثرة التفسيرات حول ما يحدث، وتضارب الآراء بين ما هو صحيح وخطأ، خاصة مع غياب وسيلة للجزم، وهؤلاء قد يكونون أقل تضرراً من الفريق الأول، لكن الإرهاق والعجز الفكري يمكن أن يطالهم، فيلتبس عليهم الأمر ويضلوا، فقط لأنهم دخلوا مساحة دون أدوات مناسبة لها، ولا نجاة حينها إلا باتباع القرآن في النظرة التي أراد أن يؤكد عليها حول عالم الجن، وقد فصلت ذلك في مقال “التعامل مع الجن في القرآن”، ويتأمل هدي النبي وصحابته في التعامل مع هذه الغيبيات. فهذا هو الحصن الحصين.

وهناك الرهق النفسي: مثل الشعور بالقلق، فالسلامة هنا مرتبطة بالتعلق بما هو خفي، مثل الحماية من الشياطين عبر التعلق بمظلة حماية قوية يوفرها الجن، ويخشى أن يفقدها، وهو معنى قريب إلى حد ما من معنى ” الاستعاذة” في زمن الجاهلية الوارد في التفاسير،فرغم أن الظاهر هو التعلق بالله، لكن الباطن هو التعلق بحماية الشيخ والجن. وقد تجد ذلك سبباً في حد ذاته لاستمرار شخص في هذا المجال، الخشية من فقدان الحماية,

أما من يترك أذنه للجن ويصدقهم دون البشر، فسيقطع الأرحام، ويفسد العلاقات، وسيأكله الشك في كل من حوله، وربما يتفاقم الأمر مع الوقت إلى وساوس ومرض نفسي، خاصة بعد أن أسلم نفسه طواعية للجن، يتلاعبون به كيفما شاءوا، وهو هنا قريب من معنى “الرهق” الوارد في التفاسير بمعنى الجرأة، حيث يتجرأ الجن على الشخص وينفثون في أذنه الكذب، ويصورون في عينه الخيال الخداع، لكنه عاجز لا يٌحرك ساكناً.

وهناك الرهق السلوكي: خاصة إن ظن الشخص أن له مكاشفات من الله، فيتجسس على الناس ويغتابهم ويرميهم بالباطل، وهي أعمال نهى الله عنها نهياً صريحاً، وقد يجره الجن إلى عالم علاقاتهم الاجتماعية، فيعدونه ويمنونه بما يفتقده في عالم الشهادة، وقد يستعين بهم طمعاً قي إنهاء أعماله العالقة، أو علاقاته المضطربة، وقد يتخبط في قراراته خاصة حين يعتمد عليهم فيها، ويمنحهم ثفته.

وهناك الرهق الاجتماعي: فإن كان الشخص جزءاً من مجموعة تسلك نفس المسار، ستمثل هذه المجموعة عنصر ضغط عليه، لمجرد أنه فكر أن يناقش أو ينتقد، أما الرهق الاجتماعي الخارجي فسيأخذ شكل الإفساد، كإفساد المشاريع والعلاقات بين الناس، وإشعال العداوة والبغضاء، واالتحريض كذباً وافتراء، يحدث كل هذا، وصاحب هذه الممارسات لا يشعر أنه مخطيء، بل قد تدعمه صحبته من الإنس والجن، فحين يمرض القلب تقل الحساسية تجاه الخطأ، ويضعف الاستبصار بالخطر.

وهناك الرهق القلبي: حين لا تكون الوجهة خالصة لله وحده، وتحيط بالمرء خطيئته وسيئاته المتعلقة بالممارسات المتصلة بعالم الجن ونتائجها، والتي ذكرنا بعض أمثلتها، فيزداد القلب قسوة، وكأن حصاد الرهق العقلي والنفسي والسلوكي والاجتماعي سيجنيه القلب، “كَلَّا ۖ بَلْ ۜ رَانَ عَلَىٰ قُلُوبِهِم مَّا كَانُوا يَكْسِبُونَ” (المطففين: 14).

    ولا يشمل الرهق فقط من يعتمدون على الجن بشكل مباشر، فهناك من لا يعرفون أو يشعرون أنهم يستخدمون الجن، لكنهم ينتمون إلى مدرسة الجن بحكم طريقة شيخهم، وقد فصلت ذلك في مقال السيناريو الكارثي، فليست العبرة إن كنت تستخدم الجن مباشرة أو لا، ولكن إلى أي مدرسة تنتمي.

كانت هذه نماذج واقعية من الرهق العقلي والنفسي والسلوكي والاجتماعي والقلبي، ويبدأ سبيل النجاة من الصدق، فمن كان صادقاً مع نفسه، فليتأمل أحواله، وليهتم بآراء المقربين عنه، وليصغ إلى كل نصيحة بجدية واهتمام، فمن لم يسلم نفسه للجن فهو في مظلة الله القوي العزيز، فإن وجد من نفسه صدوداً حتى عن مجرد الاستماع، فليحذر أن يكون ممن ختم الله على قلبه وجعل على سمعه وبصره غشاوة. فلا يشعر أنه على خطر، ولا يلبي – بل قد يرفض – دعوة صادقة، من أصحاب يدعونه إلى الهدى ائتنا، “قُلْ أَنَدْعُو مِن دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنفَعُنَا وَلَا يَضُرُّنَا وَنُرَدُّ عَلَىٰ أَعْقَابِنَا بَعْدَ إِذْ هَدَانَا اللَّهُ كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِينُ فِي الْأَرْضِ حَيْرَانَ لَهُ أَصْحَابٌ يَدْعُونَهُ إِلَى الْهُدَى ائْتِنَا ۗ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَىٰ ۖ وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ” (الأنعام: 71).

وائل عادل

30-03-2026

جميع المقالات السابقة

أضف تعليق