انتقادات على الطريق

Published on

بوصة

  قد تتعرض في الطريق إلى انتقادات، فهذا يعيب المنهج، وذاك يعيب سلوكاً شخصياً منك، وآخر يعيب فكرة جزئية تؤمن بها، وقد تجد من ينال منك شخصياً، انتقادات تقل أو تكثر؟! فهل هذا من أصل الرحلة إلى الله أم أنه يفسدها؟!

في البداية يجب أن أعترف أن النقد أحياناً يُفقد متعة الطريق، ويشوش على السكينة والصفاء القلبي، كما أنه أحياناً يقودنا إلى الشك في صلابة ما نرتكز عليه، مما يزعزع اطمئنان القلب، لذلك نحن لسنا جاهزين للنقد في أي وقت، لكن تذكر أنك كما تنزعج من النقد؛ فإنك أحياناً ستلعب هذا الدور في رحلة أحدهم، وربما يكون ذلك واجب عليك في بعض الأحيان، فيكون اختبارك في الرحلة هل ستنكر ما تراه خطاً أو به لبس أم ستصمت؟! لذلك فكما أنك منزعج من نقد أحدهم، ستكون أنت مزعجاً لشخص آخر، سواء جاء ذلك عندما تسدي له نصيحة على عكس هواه، أو أطروحات على خلاف ما يؤمن به.

هذه هي النظرة التي تبدو للوهلة الأولى، النقد كعمل متبادل مزعج، علينا أن نتقبله على مضض، لكن ربما حين نتعرف الآن معاً على فوائده نغير رأينا، فنعتبره أحد المحركات الأساسية للرحلة، فنرحب به ونفسح له الطرقات، بل ونقف له تبجيلاً إن مر من أمامنا، فلعله منطلق لهداية أحدهم، أو لحمايته من نفسه.

وسأستعرض هنا فائدتين للنقد، واحدة تخص الطريق، وأخرى تخص السائر، أما ما يتعلق بالطريق فالنقد قد يشير إلى نقاط قصور، فيدلنا على ثغرات في الفهم أو أخطاء في السلوك، أو مخالفات للشرع، أو مطبات وربما انحرافات في الطريق، فهو هدية الله لنا من خلال عباده، يرينا من خلاله أجزاء خفية من المشهد، أو نبصر حفرة لم نكن نتوقع وجودها، خاصة مع الانغماس الطويل في حالة روحية تستولي على حواسنا وقلوبنا، فنرى من خلالها كل شيء، فإن فرص العمى قد تزيد، نظراً لإلف ما نحن مقتنعين بصوابه، وصعوبة اكتشاف أوجه القصور فيه، لذلك قد نكون في حاجة بين الحين والآخر لسماع رأي آخر، لعله يزيل الغشاوة، ولسنا مطالبين بتبني الرأي، ولكن بتأمله والبحث فيه إن لزم الأمر.

فإن قال فائل لكن الناقد لا يبتغي وجه الله، أو له دوافع شخصية، هنا نكون وقعنا في خطأ الالتفات إلى القائل وترك ما قال، لا تهمنا دوافع المنتقد والتفتيش في قلبه، ما يهمنا هل ما يقوله يتطلب النظر؟ وهذه الإجابة يجب أن يُراعَى فيها وجه الله سبحانه وتعالى، ليس الأمر مجرد ميل قلبي لإعادة النظر أم لا، ولكنه خوف من أن يكون تحذير الله قد أتانا على يد هذا المنتقد الذي لم نعر له بالاً، فما أعظم نعم الله عليك حين يسخر لك هدهداً كدت أن تذبحه لأنه تأخر عليك، ليقول لك “أحطت بما لم تحط به”.

أما فائدة النقد للسائر ففيه شفاء لما في الصدور، فقبول النقد هو اختبار واضح لسلامة القلب، فالـ”أنا” عدو للنقد، لا تطيق وجوده، فضلاً عن اقترابه، لأنه ينتقص منها تلميحاً أو تصريحاً، وكلما سمح الإنسان بعمق أكبر في النقد، دل ذلك على خفوت “الأنا”، حتى يقبل الشخص سماع النقد في أصل الطريق ومنطلقاته، وأقول يقبل السماع وليس بالضرورة قبول مضمون النقد، فقبول الاستماع بقلب ملهوف يعني الانتصار على “الأنا”، وهو ليس سماع من يتظاهر بقبول الاستماع للنقد ثم ينبري للدفاع، ولكنه سماع من كان له قلب وألقى السمع، لعله يكتشف ثغرة فيما يؤمن به أو يفعله، وكيف لا نقبل النقد كأساس للطريق ونحن نسأل الله يومياً أن يهدينا الصراط المستقيم، فهل يُعقل إن جاءنا صوت الهداية أن نغلق في وجهه الأبواب؟! لا لشيء إلا لأن “الأنا” ترى أنه لا حاجة إلى مزيد من الهداية؟!!

ردد من الأوراد ما شئت، واتل من القرآن ما استطعت، ثم اختبر قلبك في قبول النقد، أو بمعنى أصح تفقد “الأنا” عندك، فإن وجدت صدرك يضيق بالنقد، فاعلم أنك في حاجة إلى مجاهدة، وأن سبيل الأوراد وحده لا يكفي، فعرض نفسك للنقد بعد أن كنت تحذر منه، وفي كل مرة وجدت انفتاحاً صادقاً عليه؛ دل ذلك على التعافي من “الأنا”، لذلك فالنقد ليس مجرد وسيلة لإكمال الصورة الناقصة حول الطريق، ولكنه دواء لما في الصدور، حين يكون إرضاء “الأنا” أحق من “استماع القول واتباع أحسنه”.

إن التعرض للنقد وسيلة مهمة لترويض “الأنا”، فانظر أول ما تحدثك به نفسه حين تستمع إلى نقد، هل تأمرك بالإنصات، ثم البحث في ما قيل، وشكر من انتقد أيا من كان؟! أم تأمرك بالإعراض عنه، والهروب إلى يقينياتك دون بحث، ثم اتهام الناقد ودوافعه؟!

وهذا معيار جديده نضيفه لمعايير الطريق، وكيفية اختياره، فكلما اتسع فيه النقد ضاقت “الأنا”، والعكس صحيح، فكل طريق يرحب بالنقد يمكن الدخول فيه باطمئنان نسبي، لأنه يحرر قلب الإنسان من الأنا، كما أن إمكانية التصحيح الذاتي للخطأ فيه ممكنة، وكل طريق يتخذ من النقد عدواً، أو يَصِم النقاد بما يُنفر منهم، فهو يكرس عظمة “الأنا” مع الوقت، ويتبنى رعاية الخطأ منهجاً.

وائل عادل

12/12/2024

جميع الحلقات السابقة

أضف تعليق