انشغلت منذ الصبا بموضوع القلوب، كنت أريد استكشاف هذا المكون الخفي، لكنه شديد التأثير في حياتنا ويم معادنا، قرأت إحياء علوم الدين لأبي حامد الغزالي أكثر من مرة، وتقريباً كل ما تيسر لي من كتب ابن القيم في هذا الباب، ولا أدري إن كان بسبب هذه القراءات أم تركيبتي التي خلقني الله بها؛ كنت ألحظ دبيب تقلبات قلبي، دقيق الرياء، والعجب، حتى أنني كنت أحياناً أسأل أصدقائي المقربين: هل ترون هذه الصفات في؟ كانت إجابتهم.. لا، لكن وما شأني بهم، فأنا ألحظ هذه الأمور بشكل دقيق، بل وألحظها وهي تتكون لا بعد انتهائها، مثلا وأنا أتحدث لا أرى الناس، ولكن أرى صورتي لامعة في أعين الناس، وكأنني أريد أن أشير بخفاء إلى عظمتي، كان هناك رقيب داخلي دائماً يريني هذه الأمور، وهو ما جعل اهتمامي بموضوع القلوب كبيراً في سن مبكرة.
مرت السنوات، ليست مجرد سنوات، بل ما يزيد عن ربع قرن، واليوم أضع قلبي أماماً مجدداً، أشفق عليه مما فيه من سوء، وأحبه لما فيه من خير، أحاوره بلطف، ماذا فعلت بك الدنيا؟!، هل أنت مستعد للقاء الله؟! هل يصلح هذا القلب أن أقدمه بين يدي ربي؟! ما زال في الوقت مهلة، وما زالت ملكة إبصار حركة القلب حاضرة بفضل الله، فقط آن أن أُشمَّر، وأبدأ من جديد، رحلة إعداد القلب لخير يوم، يوم لقاء الله، “يَوْمَ لَا يَنفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ” (الشعراء: 88-89).
أعود إلى الكتابات القديمة، لكن ثمة شيء مفقود فيها، وهذا ليس تقليل من شأنها، فقد وضعت لبنات أساسية في هذا الباب، بداية من الهروي في القرن ال11 ميلادياً، ثم أبي حامد الغزالي في القرن 12 ميلادياً، ثم ابن تيمية وابن القيم في القرن 14 ميلادياً، لكن السؤال الآن ليس عنهم وما طرحوه، بقدر ما هو مدى استجابة القلب لهذه الأطروحات، خاصة مع التطور الثقافي الذي حدث، وأطروحات علم النفس التي تتناول الطبيعة البشرية، هل يمكن إيجاد صيغة أكثر عصرية لـ “علم القلوب” تناسب الوعي البشري الحديث؟! وتنطلق من التحديات الواقعية التي تواجه الإنسان اليوم؟!
إنني هنا لا أكتب بغرض التنظير، ولكنني سأكتب فقط عما أفادني – وما زال- في رحلتي إلى الله، وهو قد يتوافق مع البعض ولا يتوافق مع الآخر، لكن على الأقل ربما يفتح الباب لآخرين ليحكوا تجاربهم ويعرضوا تصوراتهم التي نشأت عنها، أو أسست لها.
منهج السلسلة
وانطلاقي في المعاني التأسيسية سيكون من القرآن الكريم، وما اصطحبته معي في رحلتي من أطروحات السابقين التي تناسبني، ثم اجتهادي الشخصي في النظر للموضوع ومعايشته.
وسأسلط في سلسلة “مٌختبر القلوب” المجهر على القلب، وأحلم بيوم يوجد فيه مختبر للقلب، يمكن من خلاله إجراء مسح شامل، ليكشف مكامن قوته وضعفه، ثم يضع برامج التحسين والتشافي، هذا ما آمل وضع حجر أساسه في هذه السلسلة وعبر تجربة استكشاف عالم القلوب.
وبذلك نعيد الاعتبار للقلب في الحياة، خاصة أننا نعيش عصراً طغت فيه المادة، واستأسد فيه العقل، وليته كان عقلاً حكيماً، بل عقلاً ضال في كثير من الأحيان، يعربد في البشرية، وأنى له الحكمة إن فقد بوصلة التوجيه، وطُبع على القلب فلا يهدي بل يضل، “أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا ۖ فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَٰكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ” (الحج: 46)، نعم سار الإنسان في الأرض، وكانت النتيجة ما نشاهده اليوم من كوارث، فهو لم يسر بعقل يتحكم فيه القلب. بل سار بدون قلب، حجر يسير فوق حجر، بعد أن قست القلوب فباتت كالحجارة أو أشد قسوة.
إنني أسير بقلبي وقلوب من معي في رحلة الحياة، لنُشهد الله أننا قادمون إليه بقلب سليم، ونُري أنفسنا ومن حولنا كيف يسير المؤمن في الأرض بقلب سليم، كيف يمشي بالنور بين الناس؟ “أَوَمَن كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَن مَّثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِّنْهَا ۚ كَذَٰلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ” (الأنعام: 122)، كيف يكون أثر ذلك عليه وعلى من حوله؟ وكيف ينعكس ذلك على حياته وعلاقاته؟ فالانشغال بحياة القلب وسلامته ليس مسار انكفاء على الذات، بل مسار يتعرض فيه القلب للحياة بجسارة، مسلماً وجهه لله وحده، حيث يمتحن الله ما في القلوب، ويمحص ما في الصدور، أما النهاية.. فقلب سليم يتسع للعالمين، فتشمله رحمة رب العالمين.
وائل عادل
7-4-2026
جميع حلقات السلسلة


أضف تعليق