القلب.. مركز التوجيه الداخلي

Published on

بوصة

ليس القلب في القرآن مجرد عضو في جسم الإنسان، فهو جوهر الإنسان، وهو ترمومتر الصحة الروحية والنفسية والسلوكية، ولن أدخل في الحديث عن ماهية القلب وموقعه في جسد الإنسان، وسأكتفي بما ذكره القرآن، “فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَٰكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ (الحج:46)، فالله تحدث عن شيء أسماه “القلب”، وحدد موضعه، وبين أثره  ودوره في الهداية والضلال، ولا يهمني تفصيلات شكله، ولا إن كانت هناك أجهزة علمية تمكنت من رصده أو لا، وهل له علاقة بالقلب العضوي الذي يضخ الدم؟، كل ذلك لا يشغلني، تكفيني الإشارة القرآنية لأنطلق مصدقاً بما قاله الله سبحانه وتعالى، فليس غرضي الإمساك بالقلب عضوياً، فهو بالنسبة لي أقرب للعوالم الروحية، التي نشعر بها وبأثرها وقد لا نراها، يكفيني منظور القرآن للقلب، وهو منظور يمكن أن يغير شكل الحياة، لمن كان له قلب.

وحين نتأمل حديث القرآن عن الإيمان والكفر والنفاق، سنجده وكأنه استعراض للقلوب، مدحاً وذماً، فالله ينظر إلى قلوب متفاعلة، ما بين إقبال وإدبار، سلامة ومرض، يقين وشك، وجين يؤكد الله علمه بما في الصدور، “يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ” (غافر: 19)؛ فذلك يعني أنه محيط بغرفة عمليات الإنسان، ومركز التحكم والقيادة فيه، فيعلم القرار قبل أن تصدر إشاراته من القلب، ويعلم العلم قبل أن يتحول إلى معتقد مستقر في القلب، وإذا أراد إحداث تغيير في عبد من عباده؛ أحدث تغييراً في قلبه، “وَلَٰكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ” (الحجرات: 7)، وحرك قلبه من اتجاه لآخر في طرفة عين، فسبحان مقلب القلوب والأبصار، “وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ ” (الأنعام: 110)، فالله ينظر إلى القلوب، وهو الهادي المهيمن على مركز التوجيه الداخلي للإنسان.

فالقلب هو مركز التوجيه الداخلي، وهذه هي وظيفته الأساسية، فمن لا قلب له فقد البوصلة في الحياة، وضل الطريق إلى الجنة يوم المعاد، “وَمَن كَانَ فِي هَٰذِهِ أَعْمَىٰ فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمَىٰ وَأَضَلُّ سَبِيلًا” (الإسراء: 72)، ويقوم القلب بهذا التوجيه من خلال عدة وظائف أشار إليها القرآن، وذكرها من تحدثوا في أمراض القلوب، نذكر منها:

التعقل

وهو رؤبة الأمور وفق منظور معين بناء على طبيعة القلب ودرجة سلامته، “”لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَعْقِلُونَ بِهَا” (الحج:46)، “لَهُمْ قُلُوبٌ لَّا يَفْقَهُونَ بِهَا” (الأعراف: 179). فالقلب السليم هو الذي يسمح للعقل بالتفكر والتأمل، ولا يوقفه بقسوته،

البصيرة

وبها يميز الإنسان بين الحق والباطل، ويهتدي إلى الصواب، ويتمكن من تصحيح الخطأ، ويصفها ابن القيم في مدارج السالكين بـ”نور يقذفه الله في القلب”،[1]قَدْ جَاءَكُم بَصَائِرُ مِن رَّبِّكُمْ ۖ فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ ۖ وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْهَا ۚ وَمَا أَنَا عَلَيْكُم بِحَفِيظٍ” (الأنعام: 104).

رؤية الغيب

ومن البصيرة ما يمن الله به على عبد من عباده فيرى بعض أمور أو معان من الغيب، كأحوال الآخرة، وهذه الرؤية تكون بالقلب، “مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَىٰ” (النجم: 11).

الهداية والتقوى

فالقلب هو محل الهداية والتوجيه السليم، “ومَن يُؤْمِن بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ” (التغابن:11)، وهو مستقر التقوى، “ذَٰلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ” (الحج: 32).

مستودع المشاعر

والقلب هو موطن السكينة، “هُوَ الَّذِي أَنزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ” (الفتح:4)، وفيه الطمأنينة، “ٱلَّذِینَ ءَامَنُوا۟ وَتَطۡمَىِٕنُّ قُلُوبُهُم بِذِكۡرِ ٱللَّهِۗ أَلَا بِذِكۡرِ ٱللَّهِ تَطۡمَىِٕنُّ ٱلۡقُلُوبُ” (الرعد: 28)، وغيرها من المشاعر التي وردت في القرآن مثل الحسرة والاشمئزاز، وحين يمرض القلب يضطرب الشعور، “وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ * فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا ۖ (البقرة: 9 -10).

الإيمان والتذوق

فالإيمان محله القلب، وآثاره تتجلى على القلب السليم، فهو الذي يتذوق الخشية والمحبة والرجاء والخوف والتوكل، “الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ” (الحج:25)، أما القلب المريض فيتشرب المعاني الفاسدة،  وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ” (البقرة: 93)، فأصبح لديهم إيمان مستقر فاسد، “قُلْ بِئْسَمَا يَأْمُرُكُم بِهِ إِيمَانُكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ” (البقرة: 93)؟

العلم واليقين

فالقلب موضع العلم المستقر، وأقصد به التصورات والمعاني الراسخة لا المعلومات، وفيه تتحقق المعاني، مثل الصدق والإخلاص ومحبة الله، ونفع عباده، “”قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا ۖ قُل لَّمْ تُؤْمِنُوا وَلَٰكِن قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ” (الحجرات: 14)، والآية تشير إلى عدم تحقق حقيقة معنى الإيمان في القلب.

القلب هو المسؤول

كانت هذه هي أغلب وظائف القلب، ذكرتها إجمالاً دون استعراض مفصل، للإشارة إلى مسؤولية القلب، لذلك كان محط نظر الله عز وجل، فالعلم والتمييز والبصيرة والمشاعر والسكينة والتذوق الروحي والتقوى والمحبة وغيرها، كلها لا تعمل إلا بقلب سليم، وكل اضطراب سلوكي في الإنسان – ما لم يكن خللاً عضوياً- فمنشؤه خلل في مركز التوجيه الداخلي، لذلك كان صلاح القلب يعني صلاح كل الإنسان.

ولا تأتي أهمية الاعتناء بالقلب لمجرد الرغبة في أن يؤدي الإنسان وظائفه في الحياة بشكل أفضل، من خلال مركز توجيه داخلي سليم، لكن القلب أيضاً هو سبيل النجاة في الآخرة، فهو محل نظر الله في الدنيا، “لَّا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَٰكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ ۗ وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ” (البقرة: 225)، بل إن النار في الآخرة تبحث عن القلوب لتصل إلى عمقها، “نَارُ اللَّهِ الْمُوقَدَةُ * الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الأفْئِدَةِ” (الهمزة: 6-7)، ومما ورد في تفسير الاطلاع على الأفئدة في تفسير القرطبي: “أي تعلم مقدار ما يستحقه كل واحد منهم من العذاب”،[2] وكأن القلب هو من يعلمها بحال الإنسان وما يستحقه، وبقول الزمخشري في تفسيره، “أو تطالع على سبيل المجاز معادن موجبها”،[3] فتصل إلى معدن القلب وما فيه من معتقدات ودوافع، وترى ما فيها من كبر وحسد وغيرها من آمراض القلوب.

وكأننا في هذه الدنيا قلوب تمشي على الأرض، هذا صحيح وذاك سقيم، وهذا مصاب أنهكته الجراح، وما نراه من سلوك وعلاقات هو الأثر الظاهر لما استقر في تلك القلوب، وكأن القلب هو السجل الخفي لتجاربنا وأفعالنا، حتى يظهر عليه أثر ما نقوم به نوراً أو ظلمة، “كَلَّا ۖ بَلْ ۜ رَانَ عَلَىٰ قُلُوبِهِم مَّا كَانُوا يَكْسِبُونَ” (المطففين: 14)، فيحضر القلب أيضاً في الآخرة، وكأن قلوبنا هي التي ستتقدمنا يوم الحساب، وتوضع في الميزان، وقد جسدت الحضارة المصرية القديمة هذا المعنى في مشهد بديع، في مراسم “وزن القلب”، حيث يوضع القلب في كفة ميزان الحساب، وتوضع ريشة الحق في الكفة الأخرى، والقلب الذي وزنه أخف من الريشة هو الذي ينجو، فهو الذي تحرر من أثقاله،[4] وصدق الله حين قال: “يَوْمَ لَا يَنفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ” (الشعراء: 88-89). 


[1] ص190 – كتاب مدارج السالكين ط عطاءات العلم – منزلة البصيرة ومراتبها – المكتبة الشاملة

[2] محمد بن أحمد القرطبي، الجامع لأحكام القرآن، دار الكتب المصرية (أو دار إحياء التراث العربي)، تفسير سورة الهمزة.

[3] محمود بن عمر الزمخشري، الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل، دار الكتاب العربي، بيروت، (د.ت)، تفسير سورة الهمزة.

[4] كتاب الموتى، الفصل 125 (مشهد وزن القلب)، ترجمة: E. A. Wallis Budge، لندن، 1895.

وائل عادل

9-4-2026

جميع حلقات السلسلة

أضف تعليق