رحلتي مع هذه السلسلة

Published on

بوصة

بدأت الكتابة في هذه السلسلة في ديسمبر 2024، وكان ذلك بعد مرور عام على توقف التجربة الروحية، بعد أن قرر المعلم ألا أستكمل معه، وهو قرار لم أقم بمراجعته فيه، بل عرضته عليه قبل أن يتخذه هو، “إن كنت أشكل لك أية مشكلة فاستبعدني من المشروع”، وسأسلمك كل متطلبات استمراره، لكنه بلطف أثنى على وجودي، خاصة أنني أكثر شخص قضى معه وقتاً متصلاً خلال هذه التجربة، فكانت مجاملة منه، لكنه اتخذ القرار لاحقاً ربما بعد أسبوع أو يزيد، فلم أجد مشكلة في ذلك ووفيت بوعدي، وتسلم المشروع كاملاً.

لم أشعر بأي غضاضة فيما جرى، لأنني أؤمن أن من الحق المعلم في مثل هذه المجالات أن يختار تلاميذه، كما أنني لا أنكر أنني مشاغب في طرح الأسئلة والأفكار، وهي ما زالت طازجة في عقلي، بالإضافة إلى أنني بتوفيق من الله كنت أحد مؤسسي المشروع، وهو ما يعني دخولي في إدارته، والإدارة ملعب الصواب والخطأ، خاصة في مجال نجهله، فربما تأذى من نمط أو ممارسات الإدارة، كل ذلك مقبول عندي، وما أبريء نفسي.

ومن ناحية أخرى؛ فبعد مرور أربع سنوات من الرحلة الروحية تشكلت عندي قناعات خاصة، تتعارض مع المنهج وبعض ما في المضمون، وربما كنت أثناء التجربة الصوت المعارض الوحيد، حتى داخل المجموعة المؤسسة، لذلك كنت أتحدث أحياناً وأصمت أحياناً، بحيث لا أقطع على المستفيدين فائدة يرجونها، فرأيي صواب – بالنسبة لي- لكنه يحتمل الخطأ، ولم أتعامل مع كل قناعاتي إلا باعتبارها رأي بناء على تجربتي، لم أكن أكتم أفكاري مع المجموعة التأسيسية والمعلم، فحتى حين كان يسألني المعلم إن كنت أستفيد من بعض أنشطة برامجه الروحية كنت أقولها صراحة، أنني لم أعد أستفيد مثل البدايات، وكان يتقبل ذلك بصدر رحب.

كنت متحمساً لتعلم الكشف الروحاني قبل بدء الرحلة، وأعني به الكشف من خلال صورة شخص، لكنني فور أن خضت تجربة التعلم تراجعت تماماً منذ الشهر الأول، حتى كان يقال لي ممن حولي “أنت تقاوم الكشف”، لكن ما العمل إن لم يسترح له قلبي قط؟! لذلك لم أعد تلميذاً يتعلم الكشف وهو عصب الرحلة، وعليه تدور اللقاءات الأسبوعية، ورغم كثرة حديث الأصدقاء المقربين عن أنني أقاوم الكشف، إلا أن المعلم في وجهة نظري كان أكثر حكمة، حيث كان يقول لهم “دعوه.. كل ميسر لما خلق له”، أخبرته إيماني بالمشروع ككل من حيث دفع الأذلا عن عباد الله، لكنني لن أتعلم الكشف، فلست مقتنعاً بالتفسير الذي يتم تقديمه عنه، لكنني سأدير المشروع، وسأكون أيضاً عينه الناقدة، وبالفعل كنت سبباً بفضل الله في اكتشاف بعض الأخطاء قي أساسيات الكشف – رغم عدم تعلمي له، لأنني كنت أقارن مخرجات الكشف بالواقع الذي أعلمه عن الأشخاص، وكانت للمعلم في ذلك استجابة محمودة، حيث راجع تلك الحالات، وبناء على اكتشاف الأخطاء أعاد تسمية بعض الأمور المتعلقة بدلالات الكشف، والتي كان يسميها “علم الصورة”.

وأتوقع لو قُدَّر لي الاستمرار لكنا اكتشفنا أموراً أكثر، حتى فيما يتعلق بنتائج الكشف على المعالِجين أنفسهم، وتطوراتهم ودلالات الإشارات التي تأتي في الكشف ويتم التعامل معها كمسلمات، ثم مراجعات لطبيعة البرنامج نفسه والأوراد، فقد كان لدي تصور تصحيحي للأخطاء التي أراها، ولكنني تعلمت أن يكون التصحيح تدريجياً، ويُبنى على برهان ملموس، وليس مجرد ملاحظات يكون الرد عليها.. “أنت لم تمتلك بعد العلم الكامل”. وهنا يحق لي أن أقول أن مقاومة الأتباع أنفسهم أحياناً أقوى من مقاومة المعلم، فلم أكن فقط أتعامل مع المعلم، بل مع حائط صد آخر، وأغلب التصحيحات التي تمت بفضل الله لم أناقشها مع الأصدقاء ولا حتى المؤسسين، بل كانت في تواصل مباشر مع المعلم. وهذا ما يفسر استمراري حتى آخر لحظة في البرنامج على مدار 4 سنوات، رغم تحفظاتي الواضحة التي دونتها في هذه السلسلة، لأنني كنت أرى أن المسار بطبيعته الحالية به أزمات كبيرة، لكن أيضاً إصلاح المسار ممكن، وذلك يتطلب صبراً وبرهاناً وليس ادعاء، فهذه النوعية من المعلمين نادرة، فهي تقبل المراجعة التي لا لبس فيها، ولنقل المواجهة بالحقائق الملومسة ومدى تطابقها مع المتخيلة، ومع طول الوقت كانت تتجمع لدي الأدلة المادية الملموسة التي كنت أسجلها، سواء من وحي الحالات، أو حتى سلوك المعلم نفسه كأعلى مثال على تجسد الأفكار.

ومما جعل عملية الإبعاد عن المشروع تتم بسلام؛ أنه لا يوجد لدي ما أدافع عنه أو أتمسك بالبقاء فيه، خاصة بعد أن أصبح لدينا مجموعة رائعة من المعالجين، وليس عندي أي حماس للاستفادة الشخصية مثل تعلم الكشف أو التواصل مع الجان، أو حتى الحصول على حماية المعلم من الشياطين، فهي في حد ذاتها كانت مما أتحفظ عليه، فأزعم أنه لم تكن لدي أي مصلحة مباشرة مع المعلم، لذلك فخروجه عن منظومتي الحياتية لن يغير فيها الكثير، ولن يحدث فيها اهتزازاً أو يسبب لي قلقاُ مما هو قادم، لم يكن لدي شيء أخسره إن تركته أو أريد كسبه إن توددت إليه، اللهم إلا البعد الإنساني وفقدان الصحبة الصالحة.

كذلك كان من اسباب مرور الإبعاد بسلام، أنني لم أكن رهيناً لهذا المشروع، ففي منتصف الطريق بدأت فكرة أخرى، تقوم فقط على معرفة الله، والذكر، ويمكن القول أنها كانت محاولة حذرة لدعم المشروع بما يفتقده، لكنها تنطلق من خارجه مع مشاركة فريق مختلف، ثم تطورت لاحقاً بعد الإبعاد، ليضاف إليها برامج متخصصة أقرب للدورات، تتعلق بتزكية النفس أو موضوعات مثل معاداة الشيطان، ولكن ليس بطريقة العلاج، وإنما الوعي بالشيطان الذي يوسوس ويفسد وعينا وقراراتنا ونظرتنا للآخرين، ونحن نحسب أننا مهتدون، وموضوعات مثل القلب السليم واكتشاف وعلاج أمراضه، كل ذلك أيضاً نتاج ملاحظاتي خلال الرحلة، وهي برامج تمنيت لو أضفتها للمشروع الأول، غير أن للأقدار كلمة أخرى. ولعلي أكتب أيضاً عن أثر مثل هذه البرامج في نفسي في سلسلة مستقلة.

هذه هي مقدمات كتابة السلسلة، أما كتابتها فكانت بعد مرور عام على الإبعاد من المشروع، فلم يكن في بالي قبل ذلك التوقيت فكرة كتابة تقييم للتجربة، حتى جاء يوم كنت أنقل فيه مقالاتي من موقع إلكتروني لآخر، فوجدت سلسلة “تصدعات في عالم الغيب”، تلك السلسلة التي كتبتها بحماس في بدايات المشروع عام 2020، أي بعد عام من انطلاق المشروع وليس التجربة الشخصية، فقلت في نفسي، هل هذا آخر ما أريد قوله؟ وهل سألقى الله بما هو مكتوب دون أن أوضح الجوانب الأخرى؟ كانت السلسلة الأولى محل ترحيب من المعلم والفريق، وكيف لا وكلها حديث إيجابي مفعم بالحماس؟! ترى كيف ستكون ردود الأفعال حين أتناول تقييم المسار والمنهج والنتائج؟ّ هل ستقابل بنفس الروح؟! هل سأكون في نظرهم متآمراً أم هادم الأوثان؟!

وكالعادة انطلقت باسم الله، لا أبالي، فهذا حقي على نفسي كي أحترمها، وحق القاريء علي، وهو أيضاً حق الصحبة والنصح لها، خاصة إن كنت سبباً في إقناع كثيرين منهم بالدخول في هذا المسار، فحقهم علي أن يعلموا وجهة نظري، سواء قبلوها أم لا، كذلك من حق المعلم أن يعرف رأيي، خاصة أنه كان حريصاً على معرفته أثناء التجربة، ومن حقه علي أن أنصح وأحذِّر، لعله يستمع القول فيتبع أحسنه وبترك سيئه.  

ووطنت نفسي أن أتحمل في سبيل ذلك كل شيء بطيب نفس، كأن أُُرمى بالجهل أو صناعة الفتنة أو اتباع الهوى، أو غيرها من النقائص والتهم، لا بأس في كل ذلك عندي، ولا بأس أيضاً في مراجعة النفس إزاء تلك التهم إن قيلت، لأقتلع جذورها إن وجدت. لكن في النهاية لن يجيرني من الله أحد حين أقف بين يديه، وأجد في كتابي نصف الحقيقة، وأجدني لم أوضح النصف الآخر مجاملة لهذا أو جبراً لخاطر ذاك، لن يجيرني من الله أحد حين تلامس بذور الشرك قلبي أثناء الرحلة، فأصمت خشية أن أُغضب أحداً، لن يجيرني من الله أحد حين نقع بحسن نية في مستنقع الغيبة والشك والحديث عن صلاح هذا أو ذاك، أو معصية هذه أو تلك. دون أن ينكر بعضنا على بعض، إذن فالأمر يستحق، لله أولاً ثم للمعلم ثم لصحبة الطريق ثم لعامة الناس، سأبدأ السلسلة إذن مستعيناً بالله وليكن ما يكون.

 أما عن منهجية كتابة هذه السلسلة فهي تجربة ذاتية، تعبر عن أفكار ومشاعر وتفاعلات صاحبها بالدرجة الأولى، وهي محصلة النقاشات مع المعلم، والقراءات الموازية في المجال، والاطلاع على تجارب أخرى من الأصدقاء، فبحكم الصداقة أولاً ثم موقعي الإداري، كان لي حديث مع أغلبية الأصدقاء الذين دخلوا معنا في التجربة، وكان لي أيضاً اتصال بمن يتم علاجهم عبر الموقع.

كذلك كنت مهتماً بمعرفة رأي من فارقونا، وفصلته في مقال “لماذا فارقونا؟”، وخاصة الأصدقاء المقربين الذين أهتم برأيهم، وكانوا يتحدثون بشكل مباشر دون تورية أو خجل، فكانوا يذكرون التفاصيل التي أزعجتهم، وكنت أعيرها اهتماماً كبيراً.

كما كنت أتابع بعض من يتحدثون في المجال من مدارس أخرى، مما ساهم في تأسيس منصة إطلاق أسئلة حول المجال، خاصة حين أجد أوجه تقارب كبيرة بين ما نفعل مقارنة بغيرنا حتى من مدارس غير إسلامية، كمن يتحدثون في الطاقة، فتابعت بعضهم وتابعت بعض النائبين عن هذا المجال.

كنت أرصد أيضاً مدى حضور عالم الجن في هذا المسار، سواء على مستوى كثافة الحديث عنه، أو حضوره في برامج الارتقاء، أو الاستعانة المباشرة به في العلاج، أو الإحالة إليه في حل بعض المشكلات الحياتية، سواء على مستواي الشخصي أو من حولي، وكما ذكرت بحكم موقعي كنت مضطلعاً على أكثر من تجربة بهذا الشأن.

كذلك كنت مهتماً بالبوابات التي قد ينفذ منها الشيطان، سواء في التصورات أو المنهج أو السلوك، ووضعتها جميعاً تحت المراقبة، وكنت أختبر أحياناً مرونة التعديل فيها لإحكام الحصن، خاصة أنني مقتنع أن من يدخل هذا المجال، إن لم يكن مستعيناً بالله وحده، ويحمل عقلاً وقلباً يقظيْن على أتم الاستعداد للمراجعة في أي وقت؛ فستلعب به الشياطين الألاعيب، وهو يظن أنه ولي الله الذي يكلمه ويلهمه كل صواب.

كما تأتي ملاحظاتي الشخصية حول أثر الدخول في هذا المجال على الشخص، بداية مني أنا شخصياً وهي أهمهم، فأراقب قلبي وتقلباته، ومدى سكينته واضطرابه، كما أراقب أثر هذه المدرسة على السلوك، بداية من المعلم إلى الصحبة إلى سلوكي الشخصي، وطريقة التعبير عن الواقع والتفاعلات معه، والدور الذي تلعبه في الأزمات التي تحتاج إلى بصيرة، كذلك لاحظت ما تضيفه هذه التجربة إلى لغة التعبير فتعكس التصورات المستبطنة، كل ذلك كنت أرصده خلال الرحلة، في نفسي ومن حولي، وحين وجدت الذاكرة معرضة للنسيان، بدأت تسجيل المواقف والأحداث والمقولات.

وحين بدأ قلبي ينكر أموراً في المنهج والتصورات، عدت إلى ما تيسر لي من أمهات الكتب لأقرأ عن تصورات الأقدمين، رغم أن قلبي في حد ذاته يكفيني في هذا الأمر، كما التقيت مباشرة بأشخاص آخرين قريبين من المجال، وكنت أعرض عليهم التصورات وأسمع رأيهم فيها.  

وأخيراً يأتي عالم المكاشفات، وهو عالم لم أهتم يوماً أن أنصت له، بسبب موقفي الشرعي منه، وأعني به الإلهام الذي يُقذف في القلب، أو عالم الرؤى، ولو اهتتمت بها لتركت هذه التجربة من اليوم الأول، لكنني كنت أسجلها من بداية الطريق ولا أعبأ بها، وكانت نصيحة المعلم والصحبة المقربة أن أطرح أي سؤال عندي بعد الذكر في خلوة، وأنتظر الإجابة التي ستقذف في قلبي، كنت أفعل ذلك حين انتصف الطريق وتململ القلب ونفد صبر العقل، فكنت أسجل الإجابات التي كانت كلها تقريباً تصدق ما يدور في قلبي وعقلي، خاصة تلك القادمة في عالم الرؤى، لكنني لم أعتد بها يوماً، ولم أعتبرها برهاناً حتى لنفسي، ولم أذكرها قط أو أستشهد بها في السلسلة، فقط تذكرتها حين بدأت الكتابة، كنت أقول في نفسي حتى المكاشفات كانت تؤكد لي التصورات التي لدي، لكن لقناعتي التامة أنها قد تكون من الشيطان أو النفس؛ فلم أعبأ ولن أعبأ بها، فقط أذكرها هنا من باب تسجيل كل المدخلات التي ساهمت في وجود هذه السلسلة على هذا النحو، فما كان لي أن أحتج في تقييم مسار برؤى ومكاشفات.

لم تكن كتابة هذه السلسلة نزهة يسيرة، بل هي في كل فكرة فيها أو كلمة حوار عميق مع الذات والله، وأطمع أن يتقبل الله مني خير ما فيها، ويغفر لي أي خطأ أو زلل، وأن يجعلها قربى له، أرفع فيها راية “لا إله إلا الله”، أمام الجن والإنس على السواء، وأقارع بها الشياطين، وأنصح بها صالحي الجن، أن يستقيموا على طريق الله ويتقوا يوماً لا بيع فيه ولا خلة ولا شفاعة، وهي سلسلة مفتوحة للنقد والتصويب، فمن وجد بها شيئاً يتطلب النقاش فليتواصل معي، لنفتح نقاشاُ موضوعياً، ومن وجد شيئاً يتطلب التصويب فليخبرني لأراجعه، ولعلي أخصص له مقالاً تفصيلياً إن ثبت لي خطؤه.

وليعلم كل من مسه لفح هذا التقييم؛ أنه لا يستقيم تقييم دون التعرض لتفاصيل أساسية في المسار والمنهج والسلوك، كما أتوجه بالدعاء لكل من كان له فضل علي في معرفة هذا الطريق الذي قربني من الله، وعزز لدي معاداة الشيطان، بداية من المعلم إلى الفريق المؤسس، والصحبة الصالحة التي اجتمعنا معها على طاعة الله، وأسأل الله أن يجزي الجميع عني خير الجزاء، وأن يرينا جميعاً الحق حقاً ويرزقنا اتباعه، ويرينا الباطل باطلاً ويرزقنا اجتنابه، وأن يجعلنا من أوليائه، ولا يجعل للشيطان علينا سبيلاً.   

وائل عادل

17-03-2026

جميع المقالات السابقة

أضف تعليق