لماذا التزكية أولاً؟

Published on

بوصة

         لقد سأل إبراهيم عليه السلام الله أن يرسل رسولاً لقومه، “رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ ۚ إِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ” (البقرة: 129)، فهذا النبي القادم، سيعلم ويزكي، لكن الله حين استجاب الدعاء أعاد ترتيب الأمور بشكل مختلف، فبدأ بالتزكية قبل التعليم، ويتكرر ذلك في أكثر من موضع في القرآن:

كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِّنكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُم مَّا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ” (البقرة: 151).

“لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِّنْ أَنفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ” (آل عمران: 164)

هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ” (الجمعة: 2).”

ففي الثلاثة مواضع تأتي التزكية قبل التعليم، ولا أفهم من ذلك أن المرء يتزكي ثم يتعلم، وإنما ضرورة أن يقوم التعلم على أساس من التزكية، أو أن تتم التزكية والتعلم بشكل متواز، فهي أقرب للتأكيد على الأهمية والأولوية، أن تكون التزكية نصب العين في التعلم.

أما الموضع الذي جمع التزكية مع الذكر فهو قول الله تعالى: “قَدْ أَفْلَحَ مَن تَزَكَّىٰ” (الأعلى: 14)، ثم تأتي الآية اللاحقة مباشرة: “وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّىٰ” (الأعلى: 15). ويرى أهل التفسير أن “تزكي” قد تحمل معنى التزكية والتطهر، أو معنى أداء الزكاة.

و”التزكية” بصفة عامة تعني التطهير، وقد قرنها الله في سورة الشمس بالنفس فقال: “قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا” (الشمس: 9).  

وانطلاقاً من المنهج القرآني أرى ضرورة أن يقوم أي منهج ارتقاء إيماني على تزكية النفس، إذ هي المراد في النهاية، “جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ۚ وَذَٰلِكَ جَزَاءُ مَن تَزَكَّىٰ” (طه: 76)، وقول الله تعالى: “يَوْمَ لَا يَنفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ” (الشعراء: 88-89).

         وفي تجربتنا كان الأساس في الارتقاء الروحي هو اكتساب قدرات خاصة بالكشف والعلاج من الأذى الشيطاني، وهذا أدعى لأن يكون للتزكية حظ وافر، فكثرة الحديث عن الجن قد يبذر بذور الشرك حتى أثناء الذكر، وقد فصلت ذلك في مقال “أوراد أم فوانيس سحرية” و “مسبحة أم صنم”، لذلك يجب التطهير الدائم للقلب من دنس الشرك.

واكتساب القدرات قد يوهم الشخص أنه أفضل من الآخرين إيمانياً أو مهارياً فيتطلب معالجة العجب والكبر، ولا يقتصر الكبر على تَشَّرب القلب معنى “أنا خير منه”؛ بل صدود عن سماع وجهات النظر الأخرى، أو تقبل النقد، فكيف يَقبل من أوتي الكشف رأي مسكين لم يؤت الكشف؟!

وعملية الكشف نفسها قد تلوثها الغيبة والتجسس، فتتطلب توبة ونفساً تصر على ألا تعود لذلك، وقد يقول الناس عكس ما يظهره الكشف، فإن كان الروحاني يصدق نفسه ويكذب الناس، فسيصبح ألعوبة الشياطين، ويتضخم عنده مع الوقت سوء الظن بالناس، وهي آفة لا تصلح بها دنيا ولا آخرة، فسوء الظن بعد ذلك يقود إلى رمي الناس بالكذب، فضلاً عن رميهم افتراء بما لم يقترفوه، كأن يقال هذا ساحر وهو ليس بساحر، فمن ذا الذي لديه الجرأة لملاقاة الله بهذه المظالم في حقوق العباد، وكل ذلك يأتي تحت عنوان “الارتقاء الروحي”.

لقد تعلمت من التجربة أن اكتساب قدرات روحانية دون نفس زكية؛ يعني إلقاء هؤلاء المقبلين على هذه النوعية من البرامج إلى التهلكة، ورميهم بين مخالب الشياطين، خاصة أنهم بالفعل في ملعبهم يطرقون أبوابهم، من خلال الحديث المستمر، والعمل المتواصل المتعلق بعالم الجن، فهل سيقعد الشيطان متفرجاً؟! أم سيصيب ذلك المتطفل الساذج في قلبه؟! فلربما ساعده الشيطان في اكتساب بعض القدرات، حتى لو من خلال أوراد لا تخالف السنة، في الوقت الذي انتزع فيه قلبه، وأفسد نفسه، وذلك هو الخسران المبين، فما الذي يضير الشيطان أن تذكر الله بينما تحرق قلبك بشرك يتسلل إليه، أو كبر ينهش فيه؟!

لقد تعلمت من التجربة أن لا يُدعى أي أحد إلى ذلك النوع من البرامج، وأنه إن لم يكن على أرض صلبة من العلم الشرعي التأسيسي، ودراية بأهم ما كتب حول هذا الموضوع ومدارسه المتنوعة، ثم يكون نقاء القلب من خصاله المشهود له بها إلى حد كبير، والاتزان النفسي في المعاملات؛ إن لم يكن لدى الشخص الأساسيات السليمة فيما سبق فهذا البرنامج هو تسليم مباشر للشيطان، حتى وإن زينته الأوراد، التي تعجز في النهاية أن تزكي نفساً أو تنقي قلباً.

أما إن لم يكن لديه ذلك الـتأهيل الابتدائي، وأراد اكتساب قدرات الكشف والعلاج؛ فيجب أن يكون هناك برنامجاً تأسيساً لا علاقة له بالقدرات، بل بتأهيل الإنسان لدخول المجال، ورفع وعيه العلمي والشرعي المتصل بالموضوع، ومعالجة أهم أدوائه النفسية والقلبية.

فإن لم يجتز ذلك المسار التأهيلي؛ فبرنامج القدرات ليس له، وقد نجاه الله من فخ شيطاني عظيم، يرفع فيه الشيطان راية “هل أدلك على طريق القدرات بما لا يغضب الله”؟!

أما إن اجتاز ذلك التأهيل بنجاح، فيلتحق ببرنامج القدرات وليتعلم، مع استمرار العمل على نقاء القلب وتزكية النفس بمستوى أعلى، يليق بما هو قادم، وحتى هذا لا يضمن له السلامة إن لم يتداركه لطف الله، لذلك يوم أن يشتد عوده؛ نضع أيادينا على قلوبنا، ولا نتوقف عن النصح له، ونسأل الله له الهداية والثبات ومغفرة الزلل، ليسهم مع فريق رباني في رفع الأذى عن عباد الله، ويخوض معارك الجان، ويقتحم الأهوال باسم الله وحده، وبعون من الله وحده.

وائل عادل

15-03-2026

جميع مقالات السلسلة

أضف تعليق