منذ مرحلة مبكرة – غالباً تعود إلى المرحلة الثانوية وبدايات الجامعة- كنت مهتماً بالقراءات حول تزكية النفس، شيء ما كان يشدني نحو هذه المساحة، ولفت انتباهي موضوع “الكرامات”، التي يمنحها الله لأوليائه، هل هذا حقاً موجود؟ لم أكن محايداً في قراءتي، كنت أتمنى أن يكون هذا الأمر حقاً بحكم عشقي للخيال.
كان من أبرز ما قرأت لأبي حامد الغزالي، إحياء علوم الدين، ولابن القيم تقريباً أغلب كتبه التي تتحدث عن التزكية، وأهمها كان كتاب “مدارج السالكين”، كما قرأت للشعراني أحد أئمة التصوف، فتشكلت حينها ثقافة عامة حول موضوع “العلم اللدني”، وأصبح عندي تصور عن طبيعته كعلم غير مكتسب بالتعلم، وإنما بنور يقذفه الله في القلب، كنت أتمنى أن أكون من أولئك المُصطَفَيْن الذين يحصلون على هذه الهبة الإلهية.
لا أزعم أنني حينها استوعبت كل ما قيل بشكل واضح، لكن هناك أمور رسخت عندي بحكم تكرارها لدى أغلب من كتبوا، ويمكن أن أفول أن هناك عدة بذور بًذرت في عقلي وقلبي، بحيث أميز بين العلم اللدني الذي عناه أولئك الذين كتبوا في الموضوع، وبين ما نراه اليوم أحياناً من مسارات أخرى تحمل نفس العنوان، “العلم اللدني”.
البذرة الأولى: أن العلم اللدني يمنحه الله كنور في القلب دون سابق قصد من الشخص، وقد وصفه أبو حامد الغزالي في الرسالة اللدنية: “هو الذي لا واسطة في حصوله بين النفس وبين الباري”. ثم يصفه قائلاً: “هو كالضوء من سراج الغيب يقع على قلب صاف فارغ لطيف”، والغالب أنه يقصد بالواسطة الوسيلة المقصودة أو البشر، فحتى الوحي على الأنبياء كان يأتي من خلال جبريل عليه السلام.
البذرة الثانية: أن العلم الدني يتركز مضمونه حول الفهم، والحكمة، وإدراك الحقائق، وهو ما يمكن اختصاره في “البصيرة”، ويفصل ابن القيم في شرح البصيرة في “مدارج السالكين” بأن من أشكالها الفراسة، التي تميز الحق من الباطل والصدق من الكذب، وذكر قول الله: “إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّلْمُتَوَسِّمِين” (الحجر: 75).
البذرة الثالثة: أن العلم اللدني لا يمكن أن يدعو إلى حرام، وإلا فهو من الشيطان، وهنا يميز ابن القيم في كلامه عن البصيرة بين البصيرة العلوية والسفلية، فيقول في مدارج السالكين: “وعلى حسب قوة البصيرة وضعفها تكون الفراسة، وهي نوعان:
فراسة علوية شريفة مختصة بأهل الإيمان.
وفراسة سفلية دنيئة مشتركة بين المؤمن والكافر، وهي فراسة أهل الرياضة والجوع والسهر والخلوة وتجريد البواطن من أنواع الشواغل. فهؤلاء لهم فراسة كشف الصور والإخبار ببعض المغيبات السفلية التي لا يتضمن كشفها والإخبار بها كمالاً للنفس ولا زكاة ولا إيماناً ولا معرفة. وهؤلاء لا تتعدى فراستهم هذه السفليات، لأنهم محجوبون عن الحق تبارك وتعالى، فلا تصعد فراستهم إلى التمييز بين أوليائه وأعدائه، وطريق هؤلاء وطريق هؤلاء”.
أما الفراسة العلوية فيقول فيها: “وهذه فراسة الصادقين العارفين بالله وأمره، فإن هممهم لما تعلقت بمحبة الله تعالى ومعرفته وعبوديته ودعوة الخلق إليه على بصيرة، كانت فراستهم متصلة بالله، متعلقة بنور الوحي مع نور الإيمان، فميزت بين ما يحبه الله وما يبغضه من الأعيان والأقوال والأعمال، وميزت بين الخبيث والطيب، والمحق والمبطل، والصادق والكاذب؛ وعرفت مقادير استعداد السالكين إلى الله، فحملت كل إنسان على قدر استعداده علماً وإرادة وعملاً.”
ويضيف أن فراستهم تشمل “كشف عيوب النفس وآفات الأعمال العائقة عن سلوك طريقة المرسلين. فهذا أشرف أنواع البصيرة والفراسة، وأنفعها للعبد في معاشه ومعاده”.
البذرة الرابعة: أن العلم اللدني يأتي لمن زكت نفسه وصفا قلبه، فهو خاص بمن اتقى ربه، واستشهدوا بقوله: ” وَاتَّقُواْ اللّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللّهُ وَاللّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ” (البقرة: 282).
البذرة الخامسة: أن طريق التقوى هذا ليس ادعاء، بل مسار عمل ومجاهدة، ويكاد يجمع من كتبوا في المجال على ملامح المسار، فهو يبدأ من التقوى، ثم تزكية النفس، ثم صفاء القلب، ينتج عنه نور في القلب، ثم فهم خاص وحكمة.
ولأبي حامد الغزالي في رسالته اللدنية إضافة، فهو يرى أن العلم اللدني يأتي بعد تحصيل للعلم بأقصى حد بالطريقة الطبيعية في التعلم، والرياضة الصادقة، والمراقبة، ثم التفكر في العلوم أو المعلومات التي تأتي.
أما الشعراني والذي يعده البعض من أصحاب الشطحات، فهو يتحدث عن الالتزام بالشريعة، والتوبة، ومجاهدة النفس والشهوات، وكثرة الذكر، وخاصة “لا إله إلا الله”، وصفاء القلب، ويذكر في كتابه “الأنوار القدسية في معرفة قواعد الصوفية” كيف “من الله عليه أن ألهمه مجاهدة نفسه من غير شيخ، ثم أخذ يبحث عن شيخ ليساعده على اختصار الطريق، وعلى إزالة عقبات النفس الخفية”.
كان هذا طريق القوم حتى ممن لم يسلم منهم من النقد، وحول هذه المعاني يدندن ابن القيم وابن تيمية مع إشارة الجميع لقوة الذكر التي هي محل اتفاق، وضرورة عرض هذا العلم على كتاب الله وسنة نبيه وأن يكون تابعاً لهما لا مهيمناً عليهما.
حول هذه المعاني تشكل وعيي منذ الصبا عن العلم اللدني، وكانت لي تجارب مع أخي في سن مبكر حول مجاهدة النفس، وقلة الكلام وعدم التعلق بالدنيا، وغيرها من الأمور التي كنت ألمس لها نتائج واضحة آنذاك، في رفع الحالة الإيمانية والشعور بالقرب من الله، حينها كان الشعور بالله وحده لا شريك له.
هذه البذور شكلت عندي مسطرة لمعرفة إمكانية حدوث “العلم اللدني” إن ادعاه أحد، وأماراته على منهجه وسلوكه إن وُجد، وبسبب هذه التنشئة كانت الصدمة في تجربتي الروحية التي تدور حولها هذه السلسلة، فكان مصطلح “الكشف والعلاج بالعلم اللدني” لا يتوافق مع معايير البذور، فكنت أرفض إطلاق مصطلح “العلم اللدني” باعتباره ثمرة ناضجة لمسار غير مكتمل، يركز على عنصر واحد دون استكمال بقية العناصر، كتصور أن كثرة الذكر وحده تأتي بالعلم اللدني، لأنني تعلمت أن كثرة الذكر مفيدة في نقاء القلب، لكنها لا تعمل وحدها، أو بالأحرى لا يأتي العلم اللدني لمجرد أن شخصاً ذكر الله كثيراً بلسانه، وغاب عن الله في تجنب نواهيه الصريحة، أو تلبست عليه الأمور فلم يخلص الوجهة لله وحده، كما أنه مع الذكر يحتاج قلباً نقياً من أمراض الكبر والحسد وسوء الظن بالناس. هكذا تعرفت قراءة على العلم اللدني كمسار شامل وليس ضربة تكتيكية تأتي فقط من الذكر، لذلك كنت أرى كل ما يتعلق بالكشف على الأشخاص وحتى طريقة تلقي الأوراد؛ لا ينتمي لما قرأت مما كتبه الأقدمون، سواء في طريقة تحصيل هذه القدرات أو حتى في آداب استعمالها، كنت أبحث عن البذور المفقودة، كما كنت أفتش في بعض المراجع لعلي أجد أي أثر يشرح العلم اللدني بهذا الشكل الذي نتلقاه في تجربتنا، كنت أفعل ذلك إنقاذاً لنفسي أولاً ثم للمنهج، لعلي أجد أرضاً صلبة أقف عليها، وشجرة علم عظيمة الجذور، لكن النتيجة كانت مخيبة للآمال، فهو طرح لم أجد له أي مرجع يمكن الاستناد إليه، أما على المستوى العملي فكانت محاولة ترميم المهتريء وإنشاء المفقود لا تحتل أولوية في البرنامج، فإن سألت عن التزكية يقال لي أن مسار التزكية ليس من دور المعلم في هذا الطريق، وكانت كلمة البرنامج تعني الأوراد، فمن أنهى ورده فهو يسير بشكل جيد في البرنامج، فماذا عن بقية الأركان التي ذكرها أئمة الطريق سابقاً؟!
كذلك لم أجد في هذه الكتب أية إشارة لدور الجن في العلم اللدني، حتى أن موضوع الجن في حد ذاته لم يكن في البال حين كنت في مراحل الصبا المبكرة أحاول تطبيق ما أقراً، لكن في هذه التجربة الروحية التي أكتب عنها؛ كان الحديث عن الجن طاغياً، حتى أن “العلم اللدني” يُشرح باعتباره أشبه بمدرسة تديرها أو ترأسها الملائكة ثم يعمل بها الجن، وهو تصور كنت وما زلت أرفض نسبته “للعلم اللدني”، وأراه اختراق خطير للمعنى الذي أراده الأولون، ومخالفة لما نشأت عليه من كلام الأئمة البارزين، المشهود لهم بالاعتدال والبعد عن الشطحات في هذا المجال إلى حد كبير، لا أنكر احتمالية وجود هذا النوع من التعلم، مع بعض التشكك في تصور الهيكيلة وعلاقة الجن بالملائكة، ولذلك أفضل تسميتها علوم الجن، وقد فصلت لها مقال “علم لدني أم علوم روحانية؟”. ولست هنا في معرض رفض أو قبول علوم الجن، أنا في معرض تأكيد ضرورة التمييز بين “العلم اللدني” وما سواه من علوم.
كنت أتأمل في تجربتنا، ما هذه الظاهرة التي يمكن أن تشرح كيف لمجموعة من حوالي 20 شخصاً، تدخل كلها مصنع العلم اللدني في برنامج ذكر، ثم يخرج أغلبها في غضون 6 أشهر وقد حاز قدراً من قدرات خاصة؟ تلك القدرات التي تنسب إلى “العلم اللدني”، دون أي سابقة جماعية تشبهها وردتنا عن الصحابة أو التابعين أو حتى من تحدثوا عن العلم اللدني، فهو مسار أقرب للمسار المميكن، يقوم فقط على الذكر، دون إسناد مواز من تزكية وتنقية للقلب من أمراضه؛ بل ولا حتى إنكار سلوكيات مثل الغيبة وسوء الظن بعباد الله، بل قد تزيد هذه التجربة المرء عُجباً وكِبراً، فهذا يدعي أن أحداً لن يصل أبداً إلى مستواه، وهذا تحدثه نفسه أن أحداً من الشياطين لن يقدر عليه بسبب قوته، لم أكن أر في مثل هذه القناعات عن الذات أنوار علم لدني، بل أصوات الشياطين.
وحين أخذت في التفتيش عن أقرب مسار يشبه ما نحن فيه؛ وجدته أقرب للمسارات التي تتحدث عنها البوذية أو من مروا بتجارب الطاقة، مع اختلاف في الأوراد والعزائم والمنطلقات، لكنها نفس المنهجية، طقوس بلا تزكية للنفس، والجميع يحصد نتيجة متشابهة إلى حد ما في أمور الكشف والعلاج، مع اختلاف طريقة التنظير للأمر. هذا لا أعتبره علماً لدنياً مطابقاً لما تعلمته، حيث يصطفي الله فيه من خلقه من يشاء، وحيث يوجد مسار المجاهدة للنفس، خاصة إن تركز هذا العلم حول الكشف على الآخرين من خلال الصورة، مع بعض المخالفات التي قد تحدث أثناء الممارسة، والتي ذكرتها في مقال “الكشف 3 في1”، وخاصة إذا تذكرنا تعريف “العلم اللدني” من منظور هذه المدرسة ودور الجن فيه، كنت أرى أنني أمام ظاهرة فريدة تستحق التأمل، لكنها ليست أبداً “العلم اللدني” الذي ذكره أعلام المجال، وأرى أن هذه الظاهرة ليس لها أن تستعير المصطلح فيحدث به تشويش وخلط.
كنت في حيرة بين ما قرأت وما رأيت، كان البعض يظنني متجرئاً على المجال متحدثاً بدون علم، أو قبل أن يكتمل العلم، وهنا المقصود العلم اللدني، لكنني كنت أقيس ما أرى وأسمع بناء على ما هو مكتوب، فأرى أن ما يقال ويمارس لا يوافق أقوال العلماء، لكنني أيضاً مستعد لتصحيح هذا التصور إن أحالني أحد إلى أئمة ممن لهم باع في الأمر، وتحدثوا عن العلم اللدني بنفس الطريقة والمنهج، الذي يركز على الكشف والعلاج بنفس منهجية التأهيل، بل وبعتبر الكشف والعلاج هو مخنبر الارتقاء الروحي لهذه المدرسة.
لا أرفض المدرسة التي مررت بها بشكل مطلق، فقد رأيت لها فوائد في دفع الأذى الشيطاني عن الكثيرين، كما لم يدخر المعلم جهداً في التعليم والمتابعة، كما أتقبل أن يكون هناك عدة طرق للتعلم في هذا الكون غير الطريقة التي اعتدناها، ولا مانع من وجود أصناف متنوعة للعلوم من حيث مصدر التلقي، لكنني أتحفظ على تأسيس وعي غير سليم بالمفاهيم، وأتحفظ على المنهج خالي الدسم، الذي يركز فقط على أذكار محددة مع فراغ تام في أمور تزكية النفس أو إنكار المنكر الصريح في آداب الكشف، ويتم ذلك بحسن نية وليس عن تعمد فعل السوء، باعتبار التزكية مهمة فردية قد تحدث أو لا، وحينها ستأتي القدرات، لكني لاحظت أن القدرات تأتي، لكن تغيب البصيرة التي كنت أقرأ عنها بشغف، تأتي علوم الجان، ولا ترى فيها نور الرحمن.
ولو كان بيدي أن أفعل شيئاً لصالح هذه المدرسة، لتوقفت تماماً عن استخدام مصطلح العلم اللدني، وتحررت من تبعة أن تُنسب إلى “العلم اللدني” أخطاء صريحة، سواء في الكشف أو حتى فيما قد يترتب عليه من سلوك يسيء للقلب أولاً، ثم لمن يتعرض لهذا السلوك، والأهم من كل ذلك سأتورع أن أنسب إلى الله ما ليس لدي يقين به، فقد يكون ذلك من عمل الشيطان، “إِنَّمَا يَأْمُرُكُم بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاءَِ وَأَن تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ” (البقرة: 169)، ويكفي هذه الآية لتزلزل كياننا قبل أن نتحدث عن إلهام الله لنا، “وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ قَالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ” (الأنعام: 93).
وائل عادل
13-03-2026
جميع الحلقات السابقة
- ما بعد التصدعات
- محبوس في عالم الجن
- مشروع العلاج والبنية التحتية
- التحصين.. بناء قلعة أم فرار إلى الله؟!
- الكشف.. 3 في 1
- كشفي لا يخطيء
- بين الشيخ والمدرب
- انتقادات على الطريق
- تصميم الطريق
- بين الارتقاء الروحاني والإيماني
- أمصال على الطريق
- منهج التعلم
- أوارد أم فوانيس سحرية؟!
- الصحبة الناضجة
- نحو موسوعة الروحانيات
- لا تقصص رؤياك
- الشيخ المختطَف
- على من تَنَزَّل الشياطين
- !علم لدني أم علوم روحانية؟
- حرب الشيطان بين القوة الصلبة والناعمة
- مجربات بلا تجربة
- المعلم بين مصدر التوجيه ومصدر المعلومة
- الارتهان للشيخ
- مسبحة أم صنم؟
- التطبيع مع الجن
- إنه يفكر ويفكر
- التعامل مع الجن في القرآن
- لماذا فارقونا؟
- عطايا الجن
- كلنا “فتنة” يا عزيزي
- رسالة إلى الجن الصالح
- نمتن للبدايات ولا تستعبدنا
- اذهب أنت وربك فقاتلا
- صَدْمَتي مع “العلم اللدني”
- لماذا التزكية أولاً؟


أضف تعليق