في المجال الروحي هناك من يستدعي شيخاً ليزيل عوائق عمله، بتطهير مكان العمل من الشياطين، أملاً في أن يتحسن العمل بعدها، وقد كنت حريصاً في الرحلة الروحية أن أختبر هذا النوع من الفعل ودرجة تأثيره، لكنني لم أتعرض للقدر الكافي من التجارب حتى أستطيع أن أعطي رأياً في الأمر، لمست حالات لا تتجاوز أصابع اليد الواحدة، ولم ينجح فيها الأمر في إحداث نقلة إيجابية في العمل، لكن أسباب عدم النجاح قد تكون متعدية للجانب الروحي ومجال تأثيره، لذلك يصعب بالنسبة لي إبداء رأي في هذا الموضوع.
لكن السؤال.. ما الذي يدعو شخصاً للتفكير في استدعاء شيخ للقيام بهذا الأمر؟! وابتداء أؤكد أن ما أميل إليه ليس حكماً شرعياً بقدر ما هو اجتهاد في الرأي، أراه أنفع لمن يفكر في هذا الأمر.
حتى نعطي رأياً يجب أولاً التعرف على طبيعة الشخص الذي يفكر في استدعاء شيخ ليزيل له عوائق عمله، هل هو بعيد تماماً عن طريق الله؟ أم أنه يحب الله ورسوله، محافظ على الفرائض، لكنه خلط عملاً صالحاً وآخر سيئاً؟ وقد استثنيت المقبلين على الله بقلوبهم وجوارحهم باعتبارهم قلما ينشغلون بهذا الأمر، فلهم حبل متين مع الله، وهو حسبهم ونعم الوكيلـ فقد تعلموا من الحياة كيف أن الله يسمع ويرى، وأنه كان معهم في أصعب موتقف حياتهم.
في حالة أن الشخص ليس له نصيب من إقامة الفرائض، قد يستعين بمن هو أكثر اتصالاً بالذكر والقرآن لتطهير أجواء العمل، هذا مفهوم وربما مقبول، وقد يكون ذلك من أسباب هدايته، سواء جنى النتيجة التي كان يتوقعها أم لا، لذلك أتفهم أن يفكر هذا الصنف في الاستعانة بطرف خارجي، يقوم بما لا يستطيع هو القيام به,
أما إن كان الشخص على طريق الله، يقيم الفرائض ما استطاع، لكنه لا يشعر بدرجة صلاح كافية للقيام بهذا الأمر، فهنا يأتي السؤال؟ أليس ضيق المعيشة، وضياع الفرص المتكرر في العمل، وركود التجارة، أولى للمزيد من القرب من الله؟! أليس دور الابتلاءات أن تساعد في تطهير الإنسان، وتصحيح العلاقة مع الله؟ “وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ” (آل عمران: 154).
إننا حين نخفق في أعمالنا نبحث في عالم الشهادة عن أسباب القصور، وقد نعالجها بالاستعانة بمتخصصين، مثلاً مدير تسويق محترف، فهذه المهارة قد لا تكون لدى صاحب العمل، أو تكون انشغالاته بمهام أخرى لا تسمح له أن يقوم بأعمال أخرى، حينها عليه أن يستعين بمن هو أهل للقيام بالدور.
لكن في البعد الروحاني، ما الذي سيقوم به الشيخ إن كان ممن يتقون الله؟ سيذكر الله؟ سيقرأ القرآن؟ سيدعو؟ أي أنه يتعبد إلى الله سبحانه وتعالى لرفع البلاء، وهي نفس الأمور التي يفترض أن يقوم كل عبد لله بها، هي جزء من تفاعلنا الواجب مع البلاء، أننا بأنفسنا نصبح أكثر قرباً من الله، فلا نستعين بأحد لينوب عنا في عبادته، قد نطمع في دعاء الصالحين، لكنهم لن ينوبوا عنا، كل ما علينا فعله هو استثمار البلاء في إخلاص الوجهة لله وحده لا شريك له، وأن ندعوه دعاء المضطر الذي ارتمى أمام بابه، “فَلَوْلَا إِذْ جَاءَهُم بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا وَلَٰكِن قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ “ (الأنعام: 168)
لكن ربما لدى الشيخ مدد إلهي خاص من ملائكة وجن، يعينونه في تطهير الأماكن، إذا سلمنا بهذه الجزئية -دون إبداء تحفظات- سيكون السؤال، أليست في النهاية هبة من الله يمكن اكتسابها بالعبادة والدعاء؟ فلنسأل الله بدورنا المدد الإلهي، وتكون الأزمة سبيلاً للارتقاء الروحي، إننا حين نتنازل عن دورنا الروحي في معالجة أزماتنا؛ نبدو وكأننا نقول للشيخ” اذهب أنت وربك فقاتلا إنا ههنا قاعدون”، فأن يكون الشخص مؤيداً من الله ليست وظيفة خاصة، بل هي عين التنافس بين عباد الله، وهي الساحة التي لا ينبغي فيها تفويض الآخرين للفوز بها بدلاً منا، وهي مضمار السباق، الذي لا ينبغي بأي حال الانسحاب منه لصالح الغير، “إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْۚ” (الحجرات:13)، “إن كان الشيخ يقول أنه فقط يذكر الله ويقرأ القرآن ويدعو، فما الذي يمنعني من أن أكون مثله؟ خاصة إن كنت أنا صاحب الحاجة المضطر، نعم.. قد لا أكون مثله من البداية، لكنني قطعاً لن أكون أبداً مثله إذا لم أبدأ،.
وعملياً ليس مطلوباً أن أكون مثل الشيخ من حيث طبيعة تأييد الله له؛ بل المطلوب أن أسعى لبناء علاقة خاصة مع الله، ليؤيدني بالكيفية التي يريدها هو والتي تناسبني، وما الأزمة إلا فرصة لبناء هذه العلاقة، “وَبَلَوْنَاهُم بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ” (الأعراف:168).
إن الله لا يحتاج وقتاً لإنهاء الأزمة، لكننا نحن من نحتاج وقتاً حتى نستوعب ونطور أنفسنا من خلالها، لنخرج منها في صورة أفضل مما كنا عليه، فإذا شاء الله قَضي الأمر في طرفة عين أو أقل، وهو ما يجب أن نؤمن به، فنستعين بالله وحده، متوكلين عليه، واثقين من أن الأمر كله بيد الله، راجين أن يتعهدنا ويؤيدنا بتأييد أنبيائه وأوليائه الصالحين،
أما من اشتد بلاؤه، فعجز عن الذكر، أو غاب تركيزه في الدعاء، فقد يحتاج عون الصالحين حتى يفيق، ودور الصالحين بعد ذلك أن يعلموه كيف يسلك طريق الله؛ لا أن يخلقوا لديه الحاجة لهم، فلا يستغني عنهم، بزعم أنهم درعه وحصنه، سواء أوصلوا له هذه الصورة تصريحاً أو تلميحاًُ.
إن الفرق بين الاستعانة المادية والروحية، أننا لسنا مطالبين بأن نتقن كل شيء على المستوى المادي، فهناك مهارات سنجيدها وأخرى لن نجيدها، أما الجانب الروحي، بما يشمله من علاقة وطيدة مع الله، وقدرة على معاداة الشيطان والتصدي له؛ فهي عبادة علينا جميعاً أن نتنافس فيها، لا أقول أن نتساوى فيها لأن الله يمن على من يشاء من عباده، لكن بإمكاننا أن نتسابق للوصول إلى أعلى المراتب، قد نطلب عون الصالحين كي نفيق ونعرف الطريق، لكن الله سيعين كل فرد بطريقته الخاصة، ومن كان شيحه سقفه سيكون غالباً حده الأقصى ما منحه الله لشيخه، أما من كان سقفه ملك السماوات والأرض، الذي يرزق من يشاء بغير حساب؛ فسيوقن أن الاتكال على الشيخ يعني أن يُحرم الفضل الخاص به هو في معالجة الأزمات، لأنه لم يعط نفسه فرصة ليرى فعل الله به وله، فلا مفر من الإقبال على الله وحده، والاستعانة به وحده، مع تحمل العناء إن وجد، وهو التصديق العملي لما نتلوه في الفاتحة عدة مرات يومياً، “”إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ” (الفاتحة:5)
وائل عادل
26-02-2026
جميع ما سبق في السلسلة
- ما بعد التصدعات
- محبوس في عالم الجن
- مشروع العلاج والبنية التحتية
- التحصين.. بناء قلعة أم فرار إلى الله؟!
- الكشف.. 3 في 1
- كشفي لا يخطيء
- بين الشيخ والمدرب
- انتقادات على الطريق
- تصميم الطريق
- بين الارتقاء الروحاني والإيماني
- أمصال على الطريق
- منهج التعلم
- أوارد أم فوانيس سحرية؟!
- الصحبة الناضجة
- نحو موسوعة الروحانيات
- لا تقصص رؤياك
- الشيخ المختطَف
- على من تَنَزَّل الشياطين
- !علم لدني أم علوم روحانية؟
- حرب الشيطان بين القوة الصلبة والناعمة
- مجربات بلا تجربة
- المعلم بين مصدر التوجيه ومصدر المعلومة
- الارتهان للشيخ
- مسبحة أم صنم؟
- التطبيع مع الجن
- إنه يفكر ويفكر
- التعامل مع الجن في القرآن
- لماذا فارقونا؟
- عطايا الجن
- كلنا “فتنة” يا عزيزي
- رسالة إلى الجن الصالح
- نمتن للبدايات ولا تستعبدنا
- اذهب أنت وربك فقاتلا
- صَدْمَتي مع “العلم اللدني”
- لماذا التزكية أولاً؟


أضف تعليق