نمتن للبدايات ولا تستعبدنا

Published on

بوصة

إنني ممتن إلى الرحلة الروحية التي يسرها الله لي، وأعتبرها من أهم المحطات التي مررت بها في حياتي حتى اليوم، كما أنني ممتن لكل من كانت له يد في أن أخوض هذه التجربة، بداية من المعلم إلى الصحبة الرائعة التي سلكت معها هذا الطريق.

إنني ممتن لهذه الرحلة في إيجابياتها وسلبياتها، فكلاهما جعلني أعيد الاعتبار لضرورة العلاقة الخالصة مع الله وحده لا شريك له، أما في إيجابياتها فعلى المستوى الشخصي علمتني أهمية الذكر، كما ساهمت في رفع المعاناة عن بعض من تعرضوا لها، ووضعت أقدام الكثيرين ممن لمسوها على طريق الله، كذلك يغمرني الامتنان لسلبياتها التي جعلتني أنتبه لضرورة الحذر من خطوات الشيطان، التي قد تنتهي إلى الشرك، ونحن نحسب أننا مهتدون، فترسخت لدي معاداة الشيطان، وزادت حساسيتي تجاه أي فهم أو ممارسة قد تبذر بذور الشرك على مهل، وقد تطرقت للسلبيات في أغلب هذه السلسلة، لذلك ليس مكان الحديث عنها هنا.

غير أني تعلمت في رحلتي في الحياة عموماً ألا أعبد الأشكال والمسارات حتى لو أتاني منها خير وفضل، بل حتى لو كنت أنا من أبدع تلك الأشكال والمسارات، وفي الحالة الروحية لا يعني الامتنان الارتهان العاطفي للطريق بكل مكوناته، بداية من الشيخ إلى الصحبة إلى البرامج، بل حتى إلى النتائج الملموسة، مثل أنني أصبحت إنساناً أفضل، وأن فضل الطريق عليّ لا ينبغي أن يكون سجناً لي إذا وجدت ما هو أفضل، أو وجدت من عيوبه ما لا يمكن احتماله أو تجاهله.

لقد تعلمت أنه حين يكون لطريق فضل عليّ فهذا لا يعني صحة المسار، فبعد أن تنتهي حالة التأثير أو الانبهار أو التغيير الأولي في حياة الإنسان، يحمد الله أولاً أن أخذ بيده، ثم يبحث عن آثار هذا الطريق عليه إيجاباً وسلباً، ولا مانع أن ينفتح على الحياة ليبحث إن كان هناك ما هو أصح، مثلاً شخص دخل في الإسلام عبر المنهج الشيعي، بالتأكيد تغيرت حياته، وتبدلت أحواله للأفضل، هذا الامتنان وشهود التحسن لا يعني أنه بالضرورة على المنهج الأصح، كما أنه من الخطأ أن نقول أنه لم يتغير في حياته للأفضل حين عرف الله، لكن عندما يكتسب التوازن الكافي ويبحث في سائر المناهج، ويقرر ألا يكون أسير البدايات؛ قد يتبدل به الحال إلى ما هو أصح، فهو هنا ممتن للبدايات، لكنه يعرف أن الاستمرار فيها يحرمه من الأصوب.

نفس الأمر في المجال الروحي بمدارسه المتنوعة، فكوْن الشخص بدأ من مدرسة معينة وأثرت فيه إيجاباً لا يعني أن يكون أسيراً لها، كما أنه من الظلم أن ينكر فضلها، كل ما عليه أن يعتبرها نقطة انطلاق، ولا يتحول لمدافع أعمى عن المدرسة بدافع التعصب، بل يسمع ويحاور ويناقش وبفكر ويتأمل مخلصاً لله وحده، ولا يكتفي يسؤال المخالفين لمدرسته عن إثبات لصحة آرائهم، بينما هو لم يقدم إثباتاً – حتى لنفسه – لصحة ما هو عليه، لسان حاله أنا على صواب، أو أنا مستمر على ما أنا عليه حتى يثبت العكس. في حين أنه قد يكون على خطر كبير. هنا يبدأ الاستعباد للبدايات والتعصب لها في الظهور.

ويتطلب عدم الاستعباد للبدايات عقلاً حراً وقلباً يسأل الله الهداية دائماً، وتسليماً بأن الله قد ينقل الشخص من مسار إلى مسار أفضل إن أسلم وجهه لله وحده، فتكون نجاته الشخصية – يوم يأتي الله فرداً بلا معلم أو صاحب – أحب إليه من التمسك العاطفي بمسار، أو التعصب لطريقة.

لقد تعلمت من التجربة أنه مهما كان أثر البدايات عظيماً، فالأفضل أن أعطي نفسي فرصة للمراجعة، فأعتبرها نقطة انطلاق لا محطة وصول، فلا أتوقف عن رصد سلبيات المسار الذي تدعوني إليه، فهذه السلبيات في مسار “البدايات” هي الحافز للبحث عن مسار أفضل، وهي مِن إسمها “بداية”، ولا ينبغي أن تسلبني حريتي، فأفرضها على نفسي كـ”نهاية”، أو أعتبرها “الوعي الأخير”، أو “الوعي المقدس” الذي لا أريد المساس به حتى يثبت العكس.

وائل عادل

25-02-2026

جميع الحلقات السابقة

أضف تعليق