بسم الله الرحمن الرحيم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين
أكتب لكم هذه الرسالة بعد رحلة روحية، كان عالمكم هو محورها الأساسي، وقد كتبت سلسلة “ما بعد التصدعات”، فيها تقييم للرحلة، كنت أخاطب بها الإنس، والآن أكتب لكم..
أكتب لكم بقلب محب، غرست سورة الجن بذوره محبته، حين كنت أقرأها منذ الصغر، وأشعر فيها بمذاق خاص، وأنا أسمع لصوت الخشية والإقبال على الله، من أولئك الذين قالوا “إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا* يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ ۖ وَلَن نُّشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا ” (الجن: 1-2)، كم هز قلبي قولكم بعد أن سمعتم قرآن نبينا، “يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُم مِّن ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ” (الأحقاف:31).
إلى أولئك الصالحين من الجن الذين صرفهم الله لسماع القرآن من نبينا، ثم ولوا إلى قومهم منذرين، السلام عليكم حيثما كنتم ما دمتم أحياء، ورحمة الله عليكم إن كان الأجل قد جاء.
يا معشر الجن الصالح أينما كنتم، تعلمون أن مشروع الشيطان للإضلال يشمل الجن والإنس، وكما أضل كثيراً من الإنس عن طريق الله الصافي، فقد أضل أيضاً كثيراً من الجن، والضلال لا يعني الكفر، فالجن الصالح قد يضل في منهجه الاعتقادي أو التعبدي، فراجعوا دائماً ما أنتم عليه، وعودوا إلى القرآن وصحيح سنة النبي، واسألوا الله كل يوم الهداية إلى طريقه، وقد وصف الله كتابه بأنه “فِيهِ ۛ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ” (البقرة: 2)، لأن المتقي أحوج ما يكون إلى إبصار الطريق الصحيح، وإلى هداية الله، وإلا ابتلعته سراديب الضلال.
يا معشر الجن الصالح، هل تعلمون أن البعض لا يتصور أن “الجن الصالح” المؤمن الذي يتقي الله؛ قد يضل طريقه، وقد يبتدع وهو يحسب أنه يحسن صنعاً، ومن الإنس اليوم من يتعلم من الجن، وهو يظن أن مجرد الصلاح الظاهر دليل على رشد العقل والمسار لدى الجن، فإن كنتم ستُعلمون الإنس شيئاً؛ فابدأوا بما قال رعيلكم الأول في عصر الرسالة، “كنا طرائق قدداً”، فحتى الصالحون ليسوا درجة واحدة، وإن الفيصل هو اتباع كتاب الله وهداه.
يا معشر الجن الصالح، لا تعطوا علومكم التي حباها الله إياكم لإنسي لمجرد أنه يؤدي الفرائض ويلتزم بأوراده، ابحثوا عن أصحاب القلوب السليمة، الأوابة إلى الله سبحانه وتعالى، المحبة لعباده، النقية بدرجة كبيرة من الكبر والعجب وسوء الظن والحسد والغيرة، فمن وجدتم فيه بوادر قدرات خاصة لتلقي علومكم، فاحرصوا أن يكون من لوازم حصوله على هذه العلوم سلامة النفس والقلب، لا يكفي التزام بأوراد لا تشفي أمراض القلب أو تهذب سلوكاً، وبالفعل من البشر من يلتزم بالأوراد طمعاً في علومكم، ولولاكم لما كان له ورد، فلم لا تجعلون سلامة القلب والنفس منهاجاً لكم؟ فلا يتقدم خطوة إلا من تجاوز عقبة من عقباتها، فعلوم الجن إن أعطيت لقلب مريض، كانت عوناً للشيطان عليه، حيث يصيح من أشد منا قوة، فانشغلوا بالقلوب وسلامة النفوس، ولا يغرنكم الالتزام بالذكر والأوراد التي قد لا تجاوز الحناجر.
يا معشر الجن الصالح، احذروا أن تكونوا من أدوات الشيطان لإضلال البشر، بينما تحسبون أنكم تحسنون صنعاً، حين يتعلق البشر بكم من دون الله، فينتظرون منكم نفعاً أو ضراً، قبل أن ينتظروه من الله، وتذكروا أنكم من قلتم “ولن نشرك بربنا أحداً”، فكونوا على العهد، فلا تشركوا بالله أحداً، ولا تسمحوا لأحد أن تكونوا أنتم وسيلته الشركية، فمتى لمستم بذور الشرك في إنسي يتواصل معكم، فافعلوا ما ينبغي فعله ليعود مسلماً وجهه لله وحده، وأربأ بكم أن تكونوا ممن يقال فيهم، “بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ ۖ أَكْثَرُهُم بِهِم مُّؤْمِنُونَ” (سبأ:41).
يا معشر الجن الصالح، هل تعلمون أن البشر يأخذ منكم العلوم وكأنها علوم لا يأتيها الباطل من بين يديها ومن خلفها؟ فهم في الغالب لا ينتقدون أو يناقشون أو يطورون، يعتبرونها أقرب للعلم الإلهي، والسبب أنها علوم غيبية، فيعاملونها وكأنها وحي، وهذا يكسبهم يقيناً زائفاً، لذلك نجد منهم من لا يتقبلون أي نقد حول علومكم، فما تقولونه حق وما سواه باطل. يدافعون عما تعلموه ربما أكثر من دفاعكم أنفسكم عنه.
يا معشر الجن الصالح، هذه الدنيا فانية، ويبقى وجه ربنا ذي الجلال والإكرام، فلا تستكثروا من الإنس أو تجعلوهم أولياء لكم، فمن الصعب على الكثيرين أن يمروا بذلك دون الوقوع في الشرك، هذه هي الطبيعة البشرية، وربما لذلك توعد الله في قرآنه الإنس والجن معاً في كثير من الآيات، ولم يذكر في آية واحدة المصير المشرق المشترك في الآخرة بين الإنس والجن، كأن يكونوا إخواناً على سرر متقابلين، فإن أردتم تعليم الإنس أو دعمهم في شيء فافعلوا دون ضجيج ودون فتنة، فحتى العمل الصالح المشترك قد يقود إلى النار إن شابه الشرك، وهو أمر حتى الآن لا يبدو أن لديكم طريقة لمنعه، إلا إن طورتم منهجكم في التواصل والتعليم.
يا معشر الجن الصالح، هل تعلمون أنه حتى الأوراد التي تستخدم من أجل التواصل معكم؛ قد تصبح وسيلة شركية؟ حين يكون الذكر من أجل الحفاظ على صحبة الجن الصالح المحيطة بالشخص، أو يكون الذكر وسيلة لاستدعائها، أو يتمسك الشخص بالذكر لأنه لو توقف عنه ستتوقف الهبة والقدرة الخارقة، فهل تبقى شيء لله من هذا الذكر؟! يا معشر الجن الصالح حتى دعوة الناس للأوراد ليست مفراً من الشرك إن ارتبط الذكر بكم، يا معشر الجن الصالح قوا أنفسكم وأهليكم ناراً بسبب ارتباط الناس بكم دون الله.
يا معشر الجن الصالح، نخشى أن يقال فينا “وَلَن يَنفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذ ظَّلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ” (الزخرف:39)، أو يصرخ الناس في الآخرة يريدون الإمساك بنا، “ وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا رَبَّنَا أَرِنَا اللَّذَيْنِ أَضَلَّانَا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ نَجْعَلْهُمَا تَحْتَ أَقْدَامِنَا لِيَكُونَا مِنَ الْأَسْفَلِينَ” (فصلت:29)، لستم بريئون مما يحدث في عالم الإنس من شرك كنتم أنتم بابه – ولو بحسن نية، إنه لقول فصل وما هو بالهزل، إنها شهادة إنسي لمس في نفسه أولاً عواقب هذا المسار، اعتبروني رجلاً ناصحاً أميناً جاء من أقصى المدينة يسعى، رجل أحبكم من سورة الجن والأحقاف، أقول لكم بكل وضوح، قولاً أبريء به ضميري أمام الله، “إن لم تستطيعوا تصحيح طريقة تواصلكم مع البشر، وسبل مساعدتهم، ومناهج الارتقاء التي تعتمدونها؛ فساعدوا البشر في صمت دون أن يعرفوا بوجودكم كما تفعل الملائكة، أو أغلقوا هذا الباب تماماً، والله خير حافظاً، وهو نعم المولى ونعم النصير، ولا يعلم جنود ربك إلا هو”.
يا معشر الجن الصالح، يا من خلصت نيته لله ولكنه أخطأ المسار، “تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَّصُوحًا عَسَىٰ رَبُّكُمْ أَن يُكَفِّرَ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ”، توبوا عن كل ذرة شرك في نفس مؤمن كنتم أنتم سبباً فيها، توبوا عن كل شخص أعطيتموه من علومكم دون أن تنشغلوا بسلامة نفسه وقلبه فعززتم عنده “الأنا”، توبوا عن كل كشف روحاني كنتم سبباً فيه، فرق بين الناس أو قطع أرحاماً أو شوه صورة شخص ظلماً، توبوا عن كل استشارة أعطيتموها لشخص وكانت تصب في صالح الشيطان، توبوا عن ما تعرفونه وما لا تعرفونه، توبوا يا عباد الله الصالحين، يا أهل سورة الجن والأحقاف، يا أهل الله والإيمان، توبوا قولاً وعملاً، أما آن أن تكون هناك وقفة؟ أن تبدأوا النقد الذاتي حول المنهج والمسار؟ خذوا هذا النداء بجدية، وأسسوا لمرحلة جديدة، يعاد فيها تعريف علاقة الجن بالإنس.
وائل عادل
10-2-2026
جميع الحلقات السابقة
- ما بعد التصدعات
- محبوس في عالم الجن
- مشروع العلاج والبنية التحتية
- التحصين.. بناء قلعة أم فرار إلى الله؟!
- الكشف.. 3 في 1
- كشفي لا يخطيء
- بين الشيخ والمدرب
- انتقادات على الطريق
- تصميم الطريق
- بين الارتقاء الروحاني والإيماني
- أمصال على الطريق
- منهج التعلم
- أوارد أم فوانيس سحرية؟!
- الصحبة الناضجة
- نحو موسوعة الروحانيات
- لا تقصص رؤياك
- الشيخ المختطَف
- على من تَنَزَّل الشياطين
- !علم لدني أم علوم روحانية؟
- حرب الشيطان بين القوة الصلبة والناعمة
- مجربات بلا تجربة
- المعلم بين مصدر التوجيه ومصدر المعلومة
- الارتهان للشيخ
- مسبحة أم صنم؟
- التطبيع مع الجن
- إنه يفكر ويفكر
- التعامل مع الجن في القرآن
- لماذا فارقونا؟
- عطايا الجن
- كلنا “فتنة” يا عزيزي
- رسالة إلى الجن الصالح


أضف تعليق