تتردد كلمة “الفتنة” عندما يكتسب أحدهم قدرات خاصة بالتعامل مع عالم الجن والعلاج الروحاني، بينما هو غير ملتزم التزاماً كاملأ بتعاليم الدين، خاصة فيما يتعلق بتقصير في العبادات الظاهرة، لكنه في نفس الوقت يواظب على أوراده الموافقة للشرع، فيقال مثلاً في الوسط الروحاني المنطلق من رؤية دينية: “هذا الشخص – ذو المعصية – الواضحة سيكون سبباً في فتنة الناس”، بمعنى أن الناس سيقولون إن كان الله أعطى صاحب المعصية هذه الهبات؛ فيمكننا أيضاً اقتراف المعصية دون أن تحول بيننا وبين عطاء الله، أو ربما هذا دليل أنها ليست معصية وإلا ما كان الله وهب مقترفها ما وهبه، كما يمكن أن تكون فتنة لصاحب المعصية نفسه، فيقول إن كان الله أعطاني هذا العطاء فهذا يدل أنني لست على معصية.
وعلى سالك الطريق الروحاني إن كان يفكر بهذا التصور عن الفتنة؛ أن يطرح على نفسه عدة تساؤلات:
- هل فعلاً ما حباه الله لهذا الإنسان هبة خاصة فقط بأهل الالتزام الكامل؟ أم أن هذه الهبة يعطيها الله من يشاء من عباده أياً كان معتقده؟
- إن كانت هبة تخص المؤمن فقط، ومنحها الله عبداً من عباده؛ فما شأننا؟ هل نصحح – والعياذ بالله – ما قام به الله؟ فالله يعطي فضله من يشاء، ولو كره الكارهون، أهم يقسمون رحمة ربك؟!
- إن كانت هبة تخص المؤمن فقط، أليس ذلك دليلاً على أن إيمان هذا الشخص كاف لأن ينال ما ناله؟ فالهبة هنا شهادة بصلاح الإيمان.
- إن كانت هبة تخص المؤمن فقط، وأعطاها الله عبداً من عباده، واستكثرنا عليه هذه الهبة خشية أن يُفتن هو أو الناس بهذا العطاء، هل هذا ينفي الحقيقة؟ أن الله أعطاه بالفعل هذه الهبة رغم التقصير الظاهر وفق اعتقادنا، أليس الأولى التأمل في صفات من يعطيه الله هذه الهبة بدلاً من محاولة إخفاء حدوثها، خاصة أن الإخفاء لن يغير من الحقيقة شيئاً، أن الهبة حدثت بالفعل لصاحب المعصية الواضحة.
- أليس هذا التأمل يدعونا للانتباه أننا ربما نكون أيضاً مقصرين لكن الله وهبنا من فضله؟ هل يمكن أن نكون أكثر معصية من صاحب المعصية المتعلقة بتقصير في العبادات؟ كأن نكون مصابين بمعاص ظاهرة، كاستحلال التجسس والغيبة والافتراء على الناس كذباً، والتفريق بين الناس، أو معاصي القلوب مثل الكبر والحسد وسوء الظن بعباده، ترى حين يرى الناس هذا السلوك؟ أليس أدعى للفتنة؟ أليسوا أحق بأن يقولوا “أهؤلاء من الله عليهم من بيننا؟” ترى أيهم أكثر فتنة؟ من قصر في عبادة بينه وبين ربه أم من اقترف من المعاصي ما تجرأ بها على خلق الله؟! وربما هم خصماؤه يوم القيامة. فإن أعطى الله صاحب المعصية الظاهرة المتعلقة بحقوق العباد وحقه، أفلا يعطي من كانت معصيته تتعلق بعلاقته مع الله؟!
- إن كانت الهبة تخص المؤمن فقط، هل يمكن أن يكون الله اطلع على قلب إنسان، فوجد فيه من الخصال الحميدة ما يشفع له تقصيره في عبادته، فوهبه من فضله بسبب بتلك الخصال؟ أليس من الممكن أن هذا المعترف بذنبه أفضل عند الله ممن يتباهى بطاعته؟!
- أليس من الجرأة أن يقال أن هذا المقصر في عبادة من العبادات لن يرتقي لأعلى درجات الهبة الربانية في مجال محدد بسبب معصية تتعلق بالعبادة؟ إن كانت هذه هي معادلة العطاء فلينظر من يتصور أنه الأعلى هبة، وليتعجب!! كيف أعطاني الله هذه الهبات رغم ما بي؟
إن طرحت هذه الأسئلة وتوصلت إلى أن الله يعطي فضله من يشاء من عباده، فعليك أن توضح للناس هذه الحقيقة، لا أن تقول أن هذا الشخص سيكون مصدر فتنة، لأنك ستُعلم الناس أن العطاء لا يعكس كامل الصلاح، ولله في خلقه شئون، حينها ستُعلم الناس حقائق الطريق التي توصلت إليها، لا ما كنت تتمناه، ولا تتورط فيما لا قبل لك به، أن تنزع من الله صفة فعل معينة، كأن يعطي البر والفاجر من فضله، يعطي المجتهد في عبادته، ويعطي من غلبته نفسه، فما شأننا نحن؟! نحاول عبثاً إخفاء رحمة الله بعبادة وجميل عطائه خشية الفتنة، نحاول ألا يرى الناس نور الله يصيب عبداً من عباده بلطفه ورحمته، لأننا ظننا أننا “شرطي الفتنة”، فلنترك الحكم لله، والله يخكم لا معقب لأمره.
أما في حالة أنك توصلت إلى أن الله لا يختص بهذه الهبات إلا الصالحين ظاهراً وباطناً من عباده؛ فلا بأس في ذلك، هذا رأيك ونتيجة ما توصلت إليه، حينها يأتي التساؤل؟ إذن من أعطى هؤلاء العصاة غير المستحقين تلك الهبة؟ هل هو الجن “الصالح”؟ الذي يشترط وفق مدرسته الإيمانية قدراً معيناً من التعبد حتى يحدث تصعيد في الهبة إلى أعلى مستوى؟ وهو شيء مشابه لتصعيد الشياطين للساحر كلما اقترف من المحرمات، لا بأس.. يمكن قبول فكرة أن صالحي الجن أيضاً يمنحون هباتهم وفق ترتيب معين للطاعة، وقد يطلبون من البعض العمرة بعد العمرة لتمام الهبة، وليس مستبعداً أن يكون مفهوم “الفتنة” أيضاً حاضراً عند الجن الصالح، وفق فهمهم ومبلغهم من العلم، فيرون أن الفتنة – سواء للشخص نفسه أو من يحيطون به – تأتي بسبب هبة مع تقصير في العبادات، حينها لن يعطي الجن المزيد من الهبات لمن لم يستوف الشروط من وجهة نظرهم ومعتقدهم.
إن وافقتك في هذا التصور لن يسعني إلا أن أهمس في أذن صالحي الجن، انتبهوا .. ولا تمنحوا القدرات لمرضى القلوب والنفوس، فلربما هم أكثر فتنة.
وائل عادل
23-01-2023
جميع الحلقات السابقة
- ما بعد التصدعات
- محبوس في عالم الجن
- مشروع العلاج والبنية التحتية
- التحصين.. بناء قلعة أم فرار إلى الله؟!
- الكشف.. 3 في 1
- كشفي لا يخطيء
- بين الشيخ والمدرب
- انتقادات على الطريق
- تصميم الطريق
- بين الارتقاء الروحاني والإيماني
- أمصال على الطريق
- منهج التعلم
- أوارد أم فوانيس سحرية؟!
- الصحبة الناضجة
- نحو موسوعة الروحانيات
- لا تقصص رؤياك
- الشيخ المختطَف
- على من تَنَزَّل الشياطين
- !علم لدني أم علوم روحانية؟
- حرب الشيطان بين القوة الصلبة والناعمة
- مجربات بلا تجربة
- المعلم بين مصدر التوجيه ومصدر المعلومة
- الارتهان للشيخ
- مسبحة أم صنم؟
- التطبيع مع الجن
- إنه يفكر ويفكر
- التعامل مع الجن في القرآن
- لماذا فارقونا؟
- عطايا الجن
- كلنا “فتنة” يا عزيزي
- رسالة إلى الجن الصالح


أضف تعليق