في الرحلة الروحانية كنت أسمع مصطلح “العلم اللدني”، وكنت أتحسس من هذا المصطلح، وإن كنت أتمنى أن أكون ممن اختصهم الله بعلم، والفكرة هنا أن “العلم اللدني” يشيرعادة إلى علم يأتي من الله مباشرة للعبد، يلقيه في قلبه دون كسب منه، وتكمن المشكلة حين لا نميز بين إلهام الله والعلوم الغيبية المتاحة لكل خلق الله، لينهلوا منها كيفما شاءوا، وفق تقدير االله لهم.
وقد قسم الأولون العلوم إلى ظاهرة وباطنة، ظاهرة مثل الفيزياء، وباطنة مثل علوم الروحانيات، كلاهما له طرقه الخاصة في التحصيل، وكلاهما علوم مكتسبة أتاح الله سبل تعلمها للبشر، وسأطق على علوم الباطن العلوم الروحانية، أي التي يتم تحصيلها عبر عالم الغيب، سواء كان ذلك من خلال شفافية الروح أو بسبب الجن أو الشياطين أو الملائكة أياً ما كان، والذي لا يعتمد على العقل في التلقي ولكن على شفافية تتيح التلقي، هذه الشفافية طبيعة وليست صفة تعبر عن الصلاح، ومتاحة لكل البشر.
والعلوم الروحانية قد تشمل ما يسمى العلم الدني الذي يأتي من الله مباشرة أو علوماً تأتي عبر المنظومة التي خلقها الله للوصول إلى تلك العلوم، وهي تشبه منظومة علوم الظاهر من حيث وجود المنهج والمعلم، والصواب والخطأ، والفساد والتضليل، فكل شيء محتمل.
إذن فعلوم الروحانيات في جزء منها يمكن اكتسابه، أي أن مريدها بإمكانه الدخول في برنامج، تكون من ثماره أن يتعلم هذه العلوم، مثل علوم الكشف والعلاج الروحاني، وقد ثبت لي بالتجربة العملية التي خضتها أنه يمكن لمجموعة أن تقرر الدخول معاً في برنامج من هذا النوع، لتخرج كلها عندها هذه المهارة بدرجات متفاوتة، ومع اطلاع أوسع من تجربتي وجدت نفس الشيء يحدث للمتعلمين من خلفيات وطرق مختلفة مثل البوذية والهندوسية والمسيحية، كلهم يمكن أن يتحصلوا على ملكة التشخيص والعلاج، وأن يستقوا من هذه العلوم، سيكون الفارق هو في طبيعة المدخل لهذا النوع من العلم، والبوابات التي من خلالها دخل الشخص إلى هذا العلم، وجودة وكفاءة المدرسة، مثلاً الجامعات الغربية أقوى من العربية في علوم الظاهر، هذا التفاوت قد تجده أيضاً في مدارس العلوم الروحانية، لكل مدرسة مزاياها وعيوبها، لكنها في النهاية علوم مكتسبة مفتوحة للجنس البشري مع اختلاف معتقده، يتم تحصيلها عبر سعي مقصود وبرنامج تدريب ومعلم، وبجولة سريعة حول المدارس المتنوعة وجدت أنهم تقريباً يستخدمون مصطلحات تشير كلها إلى نفس الشيء، مثل المكتبة الكونية التي يمكن للإنسان أن ينهل منها معارف بغير طريقة التحصيل التقليدية، ومثل الإشارة إلى الشياطين والجن والملائكة ولكن كل بلغته الخاصة، مما يرجح لي وجود منظومة كونية خاصة بفتح بوابات هذا النوع من العلوم لمن طلبها وكانت لديه استعدادات تعلمها، فهي علوم مكتسبة تشبه الفيزياء والكيمياء وغيرها من العلوم التي فتح الله للإنسان سبل تعلمها بغض النظر عن معتقده، وأيضاً سيتفاوت البشر في تحصيلها بحكم الاستعدادات الفردية المختلفة، وستختلف جودتها وفاعليتها بحسب المؤثرات على كل مدرسة من مدارس التعلم، وطبيعة بنيتها.
وقد كان مما لفت انتباهي أن تجربتي كانت تقوم على الذكر، دون اهتمام بصلاح النفس ونقاء القلب كبرنامج عملي، مجرد أوراد من الذكر المكثف إن واظبت عليها تبدأ أطراف من العالم والعلم المحجوب في الظهور تدريجياً، بينما كنت أتصور أن العلم اللدني هو ثمرة اجتباء من الله لمن صلحت نفسه، لا لمن كثر ذكره فقط، هكذا بين من وصفوا العلم اللدني من أئمة الطريق مثل عبد القادر الجيلاني والغزالي، وما رجح عندي أننا نتعامل مع نوع آخر من العلوم أنني كنت أسمع مقولة “الجن هم أول ما يتكشف في عالم الغيب، وهم البوابة نحو العلم اللدني”، وكنت أشعر أن في ذلك خلط بين أشكال العلوم التي يمكن أن يتلقاها الإنسان ومصادرها، والأرجح عندي أنهم البوابة نحو علوم تُكتسب من خلال عالم الجن، أما العلم اللدني الصافي فهو أمر آخر، ويمكن أن نقول ظاهرة مختلفة، وبذلك نكون أمام ظاهرتين، الأولى تلقي علوم مباشرة من الله بإلهام يُقذف في القلب دون برنامج تعلم، والآخر تلقي علوم في الكون عبر وسائط أخرى مثل عالم الجن.
هذا التوصيف لهذه العلوم ونزع اتصالها المقدس المباشر بالله لا يعني التنفير منها، بل يعني فقط تمييزها عن العلم الذي يأتي الفرد دون إرادة منه، ودون سابق استعداد مقصود، ولا يمكن لمجموعة من البشر أن تتفق أنه سيأتيها جميعاً خلال هذا العام مثلاً في مجال حددوه سلفاً، هذا التمييز يساعد في معاملة هذه العلوم كعلوم مكتسبة تحتمل الصواب والخطأ، وتنضج وتتطور طريقة النظر لها وفهمها، وهذا مفيد للعلم وللمتعلم، فالمتعلم سيطور العلم حين يدرك أنه ليس وحياً إلهياً، واعتبره علماً من علوم الغيب التي يتم تحصيلها عبر بواباتها الخاصة؛ حينها سيعاملها معاملة العلم التقليدي في التمحيص والنقد والتطوير، فلا يتهيب الطبيعية التجريبية للعلم، فهو لا يخضع علم الله للتجربة، ولكنها علوم الروحانيات التي يختلط فيها الصواب والخطأ، هذه الروح التجربيية تساعد في تطوير العلوم، أو على الأقل وعينا وإدراكنا بتلك العلوم، وقد عايشت في تجربتي هذا الأمر في تعلم الكشف والعلاج الروحاني، إذ تم تصحيح بعض المسائل المتعلقة بدلالات الكشف الروحاني، بسبب النظرة النقدية، وعدم التسليم المطلق بأنه علم من عند الله لا يأتيه الباطل، وقد كان مما أفادنا إيمان المعلم باحتمال الخطأ، ومن ثم كان له دور رائد في تصحيح المفاهيم، وتبني تصويب المفاهيم والتصورات المتعلقة ببعض مسائل الكشف الروحاني، وفتح الباب للمزيد من المراجعات إن ظهرت دواعيها.
وإجمالاً وبعد التجربة والقراءات أرى إمكانية التمييز بين العلوم الروحانية والإلهام الإلهي بعدة أمور:
العلوم الروحانية مثل العلوم الظاهرة التقليدية تحتمل الصواب والخطأ وتتطور فيها المعرفة والحقائق. بينما الإلهام الإلهي يحمل حقائق لا يأتيها الباطل، ويتكفل الله بحفظه ليصل إلى عبده.
العلوم الروحانية يمكن اكتسابها عبر برامج لاكتساب علم بعينه مع تفاوت قدرات البشر بحسب استعداداتهم للتحصيل، تماماً مثل علوم الظاهر التقليدية، بينما الإلهام الإلهي لا يمكن اكتسابه في مجال محدد بصورة دائمة عن عمد، فإن حدث ذلك تحول من كونه إلهاماً إلهياً إلى علم مكتسب بالتحصيل.
وهنا نشير إلى أن العلم نفسه قد يكون مشتركاً بين الإلهام الإلهي وبين الاكتساب، مثلاً شخص مولود بالفطرة لديه مهارة الرسم، وشخص آخر تعلم الرسم بمجهود وقصد، الأول سنطلق عليه لديه موهبة ربانية، والثاني سنطلق عليه لديه موهبة مكتسبة، وفي النهاية كل من عند الله، لكنه تمييز يفيد في الوقوف على درجة الدقة واحتمال الخطأ، ونقاء المصدر، فمثلاً يوسف عليه السلام آتاه الله علم تأويل الأحاديث دون كسب منه، لذلك تفسيره دقيق لا يخطيء، فهو يبلغ رسالة ربه، بينما شخص آخر بذل جهداً لتعلم التفسير ويستمع لصوته الداخلي في التفسير بالإضافة إلى فك الرموز، هذا لديه علم ومهارة مكتسبة، تحتمل الخطأ، فهو لا يحمل رسالة الله المؤكدة إلى صاحب الرؤيا.
إن الأزمة في الطريق الروحاني تكمن حينما نحاول أن نختصر أساليب المعرفة الغيبية في مسمى “العلم اللدني”، المنسوب مباشرة إلى الإلهام الإلهي، لنعطيها درجة عالية من الوثوقية والقداسة وعصمة عن أن تخضع للتجربة، وكل ذلك يعطينا درجة من اليقين الزائف والراحة النفسية، كما قد نلجأ لوصفها بـ”العلم اللدني” لننفي عنها صلتها بعالم الجن، أو لنشعر بالتميز عن الآخرين، وننسى أن هناك مستويات عدة للمعرفة الغيبية، منها ما نعرفه ومنها ما نجهله، والأفضل أن نقف على طبيعة ما نقوم به، ونسميه باسمه الصحيح، فإن جهلنا يقيناً طبيعة ما يحدث؛ توقفنا عن التوصيف ونعت الأمور ومنحها منزلة ربانية، ويكفينا أن نشكر الله أن يسر لنا أبواب العلوم، فنتق الله فيها، ونفرز الصالح من الفاسد، والأولى أن نسقط دعاوى “العلم اللدني” من قاموسنا، خشية أن يشملنا قول الله “ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَىٰ عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ قَالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ وَمَنْ قَالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ” (الأنعام: 93).
وائل عادل
22-05-2025
انطلاقاً من رسالتنا “فاتخذه عدواً“. إن كنت تشعر بأذى شيطاني أو أعراض المس، فلا تتردد في طلب المساعدة، احجز استشارتك في منصة روح للرعاية الروحية والنفسية.
احجز استشارتك الآن 👉.
جميع حلقات سلسلة ما بعد التصدعات
- ما بعد التصدعات
- محبوس في عالم الجن
- مشروع العلاج والبنية التحتية
- التحصين.. بناء قلعة أم فرار إلى الله؟!
- الكشف.. 3 في 1
- كشفي لا يخطيء
- بين الشيخ والمدرب
- انتقادات على الطريق
- تصميم الطريق
- بين الارتقاء الروحاني والإيماني
- أمصال على الطريق
- منهج التعلم
- أوارد أم فوانيس سحرية؟!
- الصحبة الناضجة
- نحو موسوعة الروحانيات
- لا تقصص رؤياك
- الشيخ المختطَف
- على من تَنَزَّل الشياطين
- !علم لدني أم علوم روحانية؟
- حرب الشيطان بين القوة الصلبة والناعمة
- مجربات بلا تجربة
أضف تعليق