على من تَنَزَّل الشياطين

مما لفت انتباهي في الرحلة الروحانية هو خطورة الاستماع لعالم الجن، والاستماع قد يكون بصوت مباشر أو غير مباشر، بمعلومة تُقذف في القلب أو عبر الرؤى أو تُلقن بشكل واضح، وقد تَصدق المعلومات في عدة مرات، فيكتسب الروحاني ثقة فيها، حتى تأتيه المعلومات الخطأ في المواقف الحرجة التي تتطلب قراراً راشداً، فيبني على سابق خبرته مصدقاً المعلومات التي وصلته، ثم يقع فيما لا تحمد عقباه.

وسأفصل هنا أسباباً محتملة لكذب أو تضليل المعلومات، وقبل بيان الأسباب لنتعرف أولاً على احتمال صحة ما ورد من معلومات عبر الجن:

  • صدق واضح
  • صدق فيه بعض الخطأ الذي لا يضر
  • نقل كاذب تماماً عن عمد.
  • نقل كاذب تماماً دون قصد ولكن بسبب إداركهم أو تلاعب الشياطين بهم.
  • نقل فيه تضليل وإن صح أصل الموضوع، بسبب أنه انتقل عبر مبالغات وشحنة عاطفية، مثلاً هذا يتحدث عنك بسوء، وذاك يدبر لك مكيدة الخ، وقد تكتشف أن أصل الموضوع أبسط بكثير، فمن تحدث بسوء كان يتحدث بالفعل، ولكن عن أوضاع سيئة يعيشها الشخص، وليس المقصود النيل منه، أما من يدبر مكيدة فقد يكون يفكر في تدبير حل عملي لبعض المشاكل، قد يعود ببعض الأضرار المؤقتة، لكن الغرض النهائي هو نفع الشخص.

أما أسباب تفاوت صحة نقل المعلومة فيرجع لأن الخلل قد يأتي بسبب أن المعلومة تأتي من الشياطين، أو من صحبة صالحة، أو من تشويش نفسي، لكن ما يهمنا هنا هو تسليط الضوء على عالم الجن والشياطين كمصدر للمعلومة.

فقد تأتي المعلومة بسبب تنزل شيطاني صريح، فالشيطان ربما يعطي ألف معلومة صريحة لتكتسب الثقة فيه، ثم يأتيك في المواقف المفصلية بالكذبة التي تفسد عليك الأمر، وهذا الأمر منطقي بحكم أن الشيطان عاقل وماكر له خطوات في قيادة الإنسان إلى ما يريده منه.

أما إن كانت صحبة صالحة يقول صاحبها أنه يعرفها جيداً ولا تأمر بسوء، فهنا يجب الانتباه للتالي:

أن الصحبة بالفعل صالحة لكنها في النهاية كائنات عاقلة مفكرة لديها مشاعر، قد يلتبس عليها الأمور وتخطيء أو تقدر الأمور من زاويتها هي لا زاوية الإنسان، فتسمى الأسماء بغير مسمياتها الصحيحة، فتلبس على الناس الحقائق بدون قصد.

وقد تكون الصحبة صالحة إجمالاً، لكنها كالبشر بها خصال سيئة، وبها نوازع شر وحسد، والشيطان يوسوس أيضاً لها ويزين لها سوء أعمالها، فالشيطان يفسد الجن والإنس، فما أدراك أن الجن الصالح الذي يصاحبك لم يتحرك بوسوسة شيطانية؟! فقد يكون هو نفسه ضحية لعبة الشيطان، تماماً كما يحدث من إنسان صالح لكنه يخطيء تقدير أمر بسبب تلاعب الشيطان به.

وقد تكون الصحبة الصالحة مخترقة، مثلما يحدث في عالم البشر، وكما يٌخترق البشر من أقرب الناس لهم ما الذي يمنع حدوث ذلك في عالم الجن؟! بل هو أسهل في غفلة الإنسان، ولا تكفي الصحبة الطويلة كدليل على عدم الاختراق؟! ألا تُكتشف اختراقات في أنظمة وتجمعات بشرية بعد عقود؟! والتركيبة النفسية لكل شخص تسهل أو تصعب عملية الاختراق، فإن قلت لكنني لي حراسة قوية من الجن، حينها يجب أن تدرك أنك من تتصور ذلك، والواقع العملي قد يصدقه أو يكذبه، وتذكر أن اختراق الجن للجن وارد مثلما هو في عالم البشر، وقد يكون الأفضل أن تبحث عن المتسلل أو الخائن في حراستك!!

التحدي هنا هو أن الروحاني قد يعيش حالة إنكار، فلا يريد أن يصدق هشاشة المنظومة التي يرتكز عليها، فلا يقتنع بكل ما سبق من احتمالية نقل الجن معلومات مضللة أو كاذبة، فينطبق عليه جزئياً قول الله “هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَىٰ مَن تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ * تَنَزَّلُ عَلَىٰ كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ * يُلْقُونَ السَّمْعَ وَأَكْثَرُهُمْ كَاذِبُونَ (الشعراء: 221-223)، وقلت إنه ينطبق جزئياً، لأن الروحانيين منهم الصالحون، لكن الجن يستمع إلى ما هو غيب للروحاني الصالح ثم يخبره به، ويجد أذناً صاغية قد تُكذب البشر وتُصدق الجن.

إن استراق السمع من الجن، ونقل الكلام الذي قد يترتب عليه ضرر، ثم تصديق الإنسي له فيه إثم كبير لأنه يدخل في دائرة الظن المطلوب اجتنابه، فضلاً عن بناء حكم عليه، كما أن فيه فخ عظيم حين يُنزل الروحاني الجن منزلة لم ينزلها الله لهم، فهم أمة مكلفة مثلنا، تستهدفها الشياطين ويستهدفها فساد أنفسها، وجَعْلُهم مصدقين في المطلق في حكمهم على عالم البشر هو أزمة إنسانية وشرعية على السواء، لأنه يخلق إنساناً يشك في من حوله، يتخبط في ظنونه، وقد يترتب على ذلك إفساد ذات البين وقطيعة الأرحام، بسبب دليل واه قد يكون فاسداً، ولا يمت لعالم الشهادة بصلة.

إننا يجب ألا نستمع إلى كلام البشر عن البشر الآخرين، أي لا نعير آذاننا إلى من ينقل لنا أخبار الآخرين، أو حديثهم عنا، وقد جاء في حادثة الإفك “إِذ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُم مَّا لَيْسَ لَكُم بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِندَ اللَّهِ عَظِيمٌ” (النور: 15)،  بل هناك نهي صريح عن طاعة من يمشي بين الناس بالنميمة “وَلا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَّهِينٍ، هَمَّازٍ مَّشَّاءٍ بِنَمِيمٍ” (القلم: 10-11)، فضلاُ عن التحذير الصريح، “يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَىٰ مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ” (الحجرات: 6). هكذا نهى الله عن إلقاء الأذن لما يردده البشر، أوليس ذلك يسري أيضاً على إلقاء الأذن لكائنات غيبية لا يعلم خفاياها إلا الله؟!

وهنا قد يتبادر سؤال، ماذا لو كانت المعلومة القادمة من الجن مهمة جداً من حيث التأثير في حياتي، هل يمكن أن أنظر إليها كدعم إلهي عبر هذا الجني الذي جاء للتحذير؟ خاصة حين يتعلق الأمر بغيبيات لا تتعلق بالمستقبل ولكن بشيء حاضر لكنني أجهله؟!

في البداية إن خشيت الوقوع في دائرة العرافين فستتجاهل الأمر تماماً، “مَنْ أَتَى عَرَّافًا فَسَأَلَهُ عَنْ شَيْءٍ، لَمْ تُقْبَلْ لَهُ صَلَاةٌ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً[1]، “أما إن كنت ترى أن هذا لا يدخل في باب الكهانة، فسيستوي الاحتمالان، الدعم الإلهي أو الإغواء الشيطاني، وفي تلك الحالة طالما أن الموضوع مهم يمكن وضع المعلومة كمنطلق للبحث، فتتثبت من صدقها أو كذبها في عالم الشهادة، دون ميل شخصي للانتصار لعالم الجن، بل للبحث عن الحقيقية، مع دعاء الله لتنقية القلب من سوء الظن والتربص المسبق، وفساد القلوب، وقطيعة الرحم، أي أنك ستلعب دور المحقق ولا تستعجل دور القاضي، تبحث عن دليل وتتحاور مع أطراف الموضوع لتتثبت، فقد يكون الموضوع كذباً بالكلية، أو جزئياً، أو صدقاً مع بعض التضليل، أو صدقاً خالصاً.

ولا تركنن إلى أن لديك 999 تجربة إيجابية مع عالم الجن من قبل، فتعرض عن الاستوثاق، لأن الشيطان قد يأتيك في المرة الألف، وكلما تأخر الإضلال عظم تأثيره، وأتاك في مقتل من حيث لا تحتسب.

أما ما يتعلق بالنميمة، فلان يحبك وفلان يكرهك، فقد سألني بشأنها صديق، ماذا أفعل حين تأتيني الأخبار عن الآخرين وما يقولونه عني؟! قلت له عَلِّم صاحبك الجني دين الله، قل له: “كَفَى بِالْمَرْءِ كَذِبًا، أَنْ يُحَدِّثَ بِكُلِّ مَا سَمِعَ”[2] 

وائل عادل

20-05-2025


[1] مسلم، صحة إشارة الحديث 73.51%

[2] مسلم، صحة إشارة الحديث 58.85 %

جميع الحلقات السابقة

أضف تعليق