الشيطان كائن عاقل محتال، وعندما يفكر في النيل من إنسان غالباً سيلجأ إلى استهداف نقاط ضعفه، وحتى نعرف نقاط ضعف الإنسان، لنتعرف أولاً على مكونات الإنسان، فهو عقل وقلب ونقس وجسد وروح وعلاقات ومهارات، والشيطان كي ينال من الإنسان بإمكانه استهداف كل هذه المكونات بغرض إفقاده توازنه، حتى ولو لم يتجه إلى الشرك.
أما العقل فيحتوي على:
أنماط تفكير وتقدير: كالأمثال الشعبية التي تشكل أحياناً طريقة التفكير والنظر للحياة، مثل “الباب اللي يجيلك منه الريح سده واستريح”، أو عندما نجد وسيلة عاجزة عن الفعل ولكننا نتمسك بها ولو على حساب التفكير في إبداع وسائل جديدة، كل ذلك يندرج في أنماط التفكير، والشيطان يمكن أن يستخدم تلك الأنماط ضد الإنسان، فيجعله يعبدها ولا يتمكن من التحرر منها، فيعيش حياة ضنكاً بسبب فساد عقله.
منهجيات تفكير: مثل اتباع الدليل والبرهان، واستماع القول واتباع أحسنه، والمنهج التجريبي لاختبار الأفكار، وطرق معالجة الأفكار في العقل للفهم والترجيح والقبول والاستبعاد، وغير ذلك مما يستخدمه العقل لتحصيل المعارف والاستوثاق منها، ويمكن أن يدخل الشيطان من بوابة المنهج، خاصة حين يجعل الإنسان متمسكاً به لا يسعى لتطويره، بل ينافح عن عيوبه، ومن ثم يتحول الإنسان إلى عبد للمنهج لا مبدعاً له.
معارف أساسية مركزية: يستخدمها العقل وعادة يفكر بها ولا يفكر فيها، وهي الحقائق الأساسية التي يستخدمها كمرجعية للتفكير وقواعد يؤسس عليها بناءه المعرفي، مثل المعتقد الديني عند كل متبعين لدين، فتجد من الصعوبة أن يتغير هذا المعتقد فضلاً عن أن يُناقَش، “قَالُوا بَلْ وَجَدْنَا آبَاءَنَا كَذَٰلِكَ يَفْعَلُونَ” (الشعراء: 47)، وقد جاء الوحي ليستهدف مثل هذا النوع من المعارف المركزية ليزلزلها، في حين يعمل الشيطان على تثبيتها.
كذلك وظيفة العقل هي اتخاذ القرارات، فحتى إن أحسن الإنسان في عمل العقل ليحصل على أفضل قرار، قد يأتيه الشيطان من مدخل القلب، الذي يعرف الحق أحياناً وينكره، فيجعل الإنسان أعمى لا يستفيد بعقله، “فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَٰكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ” (الحج: 46). لذلك يستهدف الشيطان القلب ليضل الإنسان.
فالقلب هو رافد آخر للإدراك عند الإنسان، لا يعالج المعلومات مثل العقل، ولكنه يحتوي على قوة إرشادية مهولة قد تصل إلى حد إعماء العقل أو تبصرته عبر تغذية مشاعر محددة، “إِنَّمَا ذَٰلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ ” (آل عمران: 175)، مثل قوة المحبة والكراهية، الرغبة والنفور، الإرادة والعجز، والشيطان يعمل على مسرح القلب مغذياً المشاعر التي تورط العقل أو تقعده، فتقوده نحو اعتزال كل شيء أو إلقاء النفس في التهلكة، كما يغذي أمراض القلب مثل الكبر والعجب والغرور، وهو ما يسهل عليه التلاعب بالنفس.
أما النفس فيعلم الشيطان مداخلها، من خلال رغباتها وما تميل إليه، ومخاوفها وما تنفر منه، “إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنفُسُ” (النجم: 23)، وهو يعمل على تعزيز كل ما من شأنه إفقاد الإنسان توازنه النفسي.
أما الروح فهي نافذة الإنسان على الغيب، بداية من معرفة الله سبحانه وتعالى إلى رؤى المنامات وخطاب الله لعبده، وتثبيت إيمانه بإلهامات وكشوفات، والشيطان قد يتلاعب بتواصل الإنسان مع روحه، فيضله عبر عوالم الرؤى والإلهام والكشف، إما بإفساد صريح فيبهره بعالم الجن والشياطين ، ويضله عن سبيل الله، أو إفساد مقنع بطابع الصلاح، فيظن الإنسان أن ربه يكلمه بينما أذنه في فم الشيطان.
أما المهارات فتشمل كل مجال، وهي التي تزيد قدرات الإنسان، وتجعله أقدر على استثمار تسخير الكون له، وهي أيضاً بوابة قد يدخل منها الشيطان، حين يثنيه عن تطوير نفسه ليجعله عاجزاً عن فعل أي شيء، فيفقد تكريم الله له، الذي سخر الكون لبني آدم، “وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَىٰ كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا” (الإسراء: 70)، وقد يثني أولياء الله عن تطوير مهاراتهم عبر التلاعب بعقولهم ومشاعرهم وأنفسهم، بينما يوحي إلى أوليائه ليتطورا ويكونوا رواد العالم، وتلك هي الفتنة الكبرى.
أما العلاقات فهي الرابط بين الإنسان والإنسان، وبين الإنسان وكل خلق الله، وهي تتطلب معارف ومهارات سليمة، وقلباً قادراً على التواصل مع كل الكون، والشيطان يشعل العداوة والبغضاء، ويحرف العلاقات عن الفطرة السليمة.
والجسد هو المركبة التي يستقلها الإنسان على الأرض، وكلما كان سليماً منحه سهولة الحركة، والاستمتاع بالحياة وشكر الله عليها، والشيطان قد يدخل للإنسان بسبب علة في جسده فيوسوس له، “لم أنت تمرض دون غيرك؟”، أو يمده في إنهاك جسده سواء عبر المحرمات أو الإسراف في الحلال، أو يثنيه عن رعايته بالطعام الصحي والحركة المعتدلة، بذلك فإن كل دعوة مهتمة بإهمال أو إنهاك الجسد قد يدخل منها الشيطان، ويغذيها ويزينها للإنسان.
هكذا يمكن أن نرى مداخل الشيطان لإضلال الإنسان عن فطرته ورسالته، ومن ثم فإن كل عمل يرتقي بالإنسان عقلاً وقلباً ونفساً وروحاً ومهارات وعلاقات وجسداً، هو عبادة على طريق “فاتخذوه عدواً”، وكل إهمال في ذلك هو فتح بوابات للشيطان، ومن أراد التحصين من الشيطان فعليه بالحصن الشامل، فينطلق في تحصين كل المكونات برعايتها، والسعي للصيانة الدائمة لها بتطويرها وزيادة الأمان فيها بإذن الله، فالتحصين ليس مجرد ذكر ورقية، هذا قد يفيد في دفع الأذى الروحاني، وقد يساعد في أمورأخرى، لكنه ليس كاف لتحصين شامل لكل مكونات الإنسان، فالتحصين يتطلب أن يكون المؤمن قوياً، وعلى أعلى درجات الكفاءة العقلية والنفسية والروحية والجسدية وسائر المكونات، والإسراف في جانب دون غيره يكون كمن نمى عضلة واحدة في جسده، وترك بقية الجسد ضعيفاً، ويغري الشيطان بالدخول من بوابات المكونات التي تبدو أضعف.
إن التحصين الشامل يقينا من أنواع المس الشيطاني التي لا ننتبه لها، فالممسوس عقلاً هو شخص زين الله له الشيطان أن لديه عقل راجح فلا يرى أعطابه، والممسوس قلباً شخص طُبع على قلبه فلا يبصر، ولا يسعى لاتباع الحق حيثما كان، والممسوس روحاً ضل طريقه إلى الله في غياهب الغيب، قس ذلك على بقية المكونات.
لذلك فإن التحصين الشامل هو عملية تطوير مستمرة للحد من القابلية للوسوسة، فالقابلية للوسوسة تحدث بسبب ضعف في مكونات الإنسان، وبذلك يكون التحصين بمثابة جبر لنقاط الضعف، وهو استعاذة بالله لفظية وعملية من فساد العقل، وظلمة القلب، وهوان الجسد، وضلال الروح، وأهواء النفس إن أمرت بسوء، وقلة الحيلة، وفساد ذات البين. إنها استعاذة شاملة بالله ليتولى عبده على جميع المستويات، “إِنَّ وَلِيِّيَ اللَّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتَابَ ۖ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ” (الأعراف: 196)، فيمنحه قوة تقيه كيد الشياطين، وتوازناً يُظهره في أفضل صورة أرادها الله له أن يكون، ككائن مكرم ليس للشيطان عليه سلطان، سُخر له الكون، وحُق لإبليس أن يسجد له.
قد يتساءل البعض، ولكن هل حقاً يعلم الشيطان كل هذه الأمور عن الإنسان؟ أليس في ذلك مبالغة؟! والإجابة بسيطة، فقد توعد الشيطان: “ثُمَّ لَآتِيَنَّهُم مِّن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَن شَمَائِلِهِمْ ۖ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ” (الأعراف: 17)، هذه المحاولة للإحاطة بالإنسان من كل جانب من كائن عاقل يفكر؛ تتطلب الإحاطة بالإنسان علماً من جميع الجوانب، بغض النظر عن دقة وصحة هذه الإحاطة، لأن الشيطان أيضاً يخطئ التقدير، يكفي اختيار عدم السجود لآدم وهو يعرف من هو الله.
وتتأكد الإمكانية وتتضح إن صح أن لكل إنسان قرين من الشياطين لا يفارقه كما ورد في صحيحي البخاري ومسلم، فقرينك الذي لا يفارقك ربما يعرفك أكثر مما تعرف نفسك، لأنه يركز معها ليغويها على مدار أربع وعشرين ساعة، بينما أنت غافل عنها قد لا تتذكرها لتهذبها سوى ساعة.
وائل عادل
14-05-2025
انطلاقاً من رسالتنا “فاتخذه عدواً”. إن كنت تشعر بأذى شيطاني أو أعراض المس، فلا تتردد في طلب المساعدة، احجز استشارتك في منصة روح للرعاية الروحية والنفسية.
احجز استشارتك الآن 👉.
جميع الحلقات السابقة
أضف تعليق