إن كانت وظيفة الشيطان هي الغواية، فإن للغواية درجات، ويمكن وضع معايير لتحديد هذه الدرجات، والغرض من ذلك هو الانتباه لغواية الشيطان، ووجود مؤشر يمكننا من تقييم خطورة الأمر، ليس لأن هناك معصية صغيرة لا تهم وأخرى كبيرة، وإنما لتكون لدينا خطوط حمراء لا نسمج للشيطان أن يجرنا إليها، تلك الخطوط التي تكون العودة بعدها صعبة، وأحياناً مستحيلة.
لذلك فاستعراض معايير ودرجات للغواية يهدف إلى وجود مقياس يزيد حساسيتنا تجاه الغواية، ويحذرنا قبل أن نصل إلى مرحلة الخطر.
معايير خطورة الغواية
وقد حرصت أن يكون المؤشر بسيطاً سهل الاستخدام، يتكون من ثلاثة معايير فقط:
- شدة الأثر وفداحة العواقب: مثلاً الشرك بالله، يعتبر من العواقب الوخيمة لاتباع خطوات الشيطان، أو مثلاً نشر العداوة والبغضاء بين الناس فيقتتلوا أو يهجر بعضهم بعضاً.
- احتمالية الحدوث: كلما كانت احتمالية حدوث الغواية أكبر دل ذلك على خطورة أكبر.
- إمكانية التعامل مع الأثر: بعد أن تمت الغواية هل يمكن التعامل معها في الدنيا والأخرة؟ في الدنيا بتصحيح الخطأ، وفي الآخرة بالتوبة إلى الله.
وتزداد درجة خطورة الغواية كلما توفرت فيها تلك المعايير، وتزداد الخطورة كلما صعبت إمكانية التعامل مع أثر الغواية في الدنيا والآخرة. وبذلك يمكن تصنيف درجات الغواية إلى ثلاث درجات:
منخفضة: وهي التي عادة يمكن التعامل معها وفق المعايير الثلاثة، والتي قد لا ينجو منها إنسان، ومنها ما يقع تحت دائرة اللمم، “الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ ۚ إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ ۚ هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنشَأَكُم مِّنَ الْأَرْضِ وَإِذْ أَنتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ ۖ فَلَا تُزَكُّوا أَنفُسَكُمْ ۖ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَىٰ” (النجم: 32).
المتوسطة: وهي التي يمكن التعامل معها مع المزيد من الحذر، وقد يكون سبب خطورتها هي شدة الأثر المترتب عليها واحتمالية تكرارها بسهولة، لكنها في النهاية يمكن أن تصحح في الدنيا بعمل يصلح من عواقبها إن تيسر ذلك، وفي الآخرة بالتوبة قبل الممات، وهذا قد يشمل الكبائر أيضاً إن انتبه الإنسان وتاب وأصلح وعمل صالحاً، “وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَٰهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ ۚ وَمَن يَفْعَلْ ذَٰلِكَ يَلْقَ أَثَامًا (68) يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا (69) إِلَّا مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَٰئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ ۗ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا (70) وَمَن تَابَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَابًا ” (الفرقان: 68-72)
المرتفعة: وهي الغواية المرعبة، التي يصعب التعامل معها ويمتد أثرها في الآخرة حتى لو صدقت توبة الشخص، مثل ما يتعلق بمظالم العباد، كالغيبة والخوض في الأعراض، والسخرية من الآخرين، وأكل الحقوق، وكل ما فيه ظلم للناس، ويمكن أن نسمي هذه الدرجة الغواية المرعبة.
الغواية المرعبة
وسبب أنها مرعبة أن آثارها لا تزول بالتوبة، وإنما ستتطلب وقوفاً بين يدي الله ليقتص من تأذى منها ولم يعف في الدنيا، وقد ورد في صحيح البخاري: “مَنْ كَانَتْ لَهُ مَظْلَمَةٌ لِأَخِيهِ مِنْ عِرْضِهِ أَوْ شَيْءٍ فَلْيَتَحَلَّلْهُ مِنْهُ الْيَوْمَ قَبْلَ أَنْ لَا يَكُونَ دِينَارٌ وَلَا دِرْهَمٌ، إِنْ كَانَ لَهُ عَمَلٌ صَالِحٌ أُخِذَ مِنْهُ بِقَدْرِ مَظْلَمَتِهِ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ حَسَنَاتٌ أُخِذَ مِنْ سَيِّئَاتِ صَاحِبِهِ فَحُمِلَ عَلَيْهِ”[1]
كما أنها قد تعرض صاحبها لعذاب لقاء الشيطان في الآخرة والاستماع لخطبته وهو يتبرأ من ذنوب الإنسان، “وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدتُّكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ ۖ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُم مِّن سُلْطَانٍ إِلَّا أَن دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي ۖ فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنفُسَكُم ۖ مَّا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنتُم بِمُصْرِخِيَّ ۖ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِن قَبْلُ ۗ إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ” (إبراهيم: 22).
وبذلك يكون الشيطان قد نجح في تنغيص آخرة الإنسان كما نغص دنياه، وذلك بانتظار الحساب والقصاص، وربما الاستماع لهذه البراءة من جرائم الإنسان.
ومن أسباب هذه الغواية المرعبة أن احتمالية حدوثها عالية، وقد لا ينتبه الإنسان لها بحكم الاعتباد، ككل ما يتعلق باللسان من غيبة ونميمة وسخرية، وهو ما يغشى الكثير من المجالس، لذلك فاحتمالية الحدوث كبيرة فضلاً عن القبول الجمعي لها إذ قلما نجد إنكاراً فيها.
درجة الغواية والمعصية
وعند استخدام هذا المعيار يجب معرفة أين تكمن فائدته، فهو لا يقول أي الذنوب أخطر بصفة عامة، لذلك نميز بين درجات الغواية ودرجات الذنوب، فالشرك بالله وعبادة الأوثان سيحتل الصدارة كأعلى درجات الذنوب، ولا يغفره الله إن أشرك الإنسان بربه بعد أن جاءه العلم، بينما الغيبة هي دون الشرك بالله، ومقترفها قد يكون من أهل الجنة بعد حساب عند الملك الذي لا تضيع عنده مظلمة، ففي النهاية مستقر المؤمن الذي اقترف الغيبة أفضل من مستقر من مات على الشرك وجحد بآيات ربه.
ورغم ذلك لن يكون الشرك بالله وفقاً للمعيار أعلى درجات الغواية خطورة عند كل الأشخاص، سيتوقف الأمر على الاحتمالية الفعلية لحدوثه عند كل شخص، لذلك يجب مراعاة عدة أمور عند استخدام هذا المعيار:
لا يعطي حكماً عاماً: فهذا المعيار ليس أهميته في إعطاء حكم عام على الغواية، لأنه سيختلف من فرد إلى آخر، مثلاً هناك من يعرف أن احتمال وقوعه في الشرك الأكبر ضعيف، وإن وقع ستظل لديه فرصة في الدنيا أن يهتدي ويتوب، بينما يرى أن ظلم الناس بلسانه نسبة الوقوع فيه كبيرة، وسيحتاج إلى عفوهم ليفلت من العواقب، وهو ما قد لا يحدث في الدنيا فيرجأ إلى الآخرة، هنا سيقرر أن درجة الغواية في حالته تزيد خطورتها بسبب احتمال وقوعها المتكرر في حالة الغيبة وليس الشرك بالله.
معيار لحظي: فحتى مع الشخص الواحد قد تختلف درجة الخطورة بين اليوم وغداً، مثلاً شخص تعرض لصدمة شديدة قد تتصدر خطورة الغواية ذنوباً كان احتمال الوقوع فيها ضعيفاً، مثل اليأس من رحمة الله، ثم إنكار وجوده، أو شخص كان يعيش في مجتمع محافظ ثم انتقل فجأة إلى مجتمع غربي منفتح، قد تتصدر قوائم الذنوب المحتملة كبائر مثل الزنا، وهي التي كان يستبعدها تماماً في مجتمعه المحافظ ولا يرى فيها خطورة. فهذا المعيار يعطي مؤشراً على حالة الشخص الآن.
معيار دنيوي: فهو معيار ينظر في احتمالية الوقوع في الغواية مادام الشخص حياً، ولديه فرصة الانفلات من العواقب في الآخرة، وهي تختلف من شخص لآخر، فحتى الغيبة هناك من سيتمكن من رد المظالم وهناك من لن يتمكن، بحسب حالة كل شخص.
وفي النهاية فإن “مؤشر درجات الغواية” يعطينا أداة فعالة في عداوة الشيطان، ويدفعنا خطوة للأمام على طريق الاستجابة لأمر الله، “فاتخذوه عدواً”، وتحويله من مجرد شعار يتردد إلى تطبيقات وواقع نحياه، ونطور وسائله.
[1] البخاري، صحة إشارة الحديث 65.21 %
وائل عادل
06-05-2025
انطلاقاً من رسالتنا “فاتخذه عدواً”. إن كنت تشعر بأذى شيطاني أو أعراض المس، فلا تتردد في طلب المساعدة، احجز استشارتك في منصة روح للرعاية الروحية والنفسية.
احجز استشارتك الآن 👉.
جميع الحلقات السابقة
أضف تعليق