عدو مبين

أشار القرآن في عدة مواطن إلى أن الشيطان عدو مبين، “يا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ ۚ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ” (البقرة: 168). وتشير نلك الآية إلى جدية هذه العداوة، “وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُم بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِم بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ وَشَارِكْهُمْ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ وَعِدْهُمْ ۚ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُوراً” (الإسراء: 64). وإذا كنا اليوم نريد أن نتخذ الشيطان عدواً؛ فسيكون من باب أولى أن نبحث عن اللبنات الأساسية التي يغلب على ظننا مما وصلنا من أحاديث؛ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد وضعها لترسيخ وتوضيح هذه العداوة؟! فهو حتماً أول من امتثل لأمر الله “فاتخذوه عدواً”، فكيف شكل وعي الصحابة بالشيطان، وحوله من مجرد فكرة أو رمز للشر إلى كائن يجب الحذر منه في شتى مناحي الحياة؟!

وقد اخترت من أقوال النبي صلى الله عليه وسلم ما يغلب الظن بصحته في البخاري ومسلم، وفق المنهجية الرقمية لموقع إشارة الحديث، فلم أذكر إلا أحاديث تتجاوز نسبة صحتها 50%، وقد ذكرت أسفل المقال النسبة المئوية لكل حديث لمن أراد الرجوع إليها. هذه الأقوال تفيدنا في الانتفال خطوة للأمام في تجسيد عداوة الشيطان بشكل ظاهر.

تبدأ رحلة العداوة منذ بداية الميلاد، مَا مِنْ بَنِي آدَمَ مَوْلُودٌ إِلَّا يَمَسُّهُ الشَّيْطَانُ حِينَ يُولَدُ فَيَسْتَهِلُّ صَارِخًا مِنْ مَسِّ الشَّيْطَانِ غَيْرَ مَرْيَمَ وَابْنِهَا ثُمَّ يَقُولُ أَبُو هُرَيْرَةَ وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ سورة آل عمران آية 36 [1]“.فمن اللحظة الأولى تبدأ العداوة، وتجب الاستعاذة، ومع كل صرخة مولود نتذكر تلك العداوة، ونعقد العزم على الانتصار بإذن الله.

كما نتذكر العداوة أيضاً في الوظائف الحيوية للجسد، ففي راوية مسلم “إِذَا تَثَاوَبَ أَحَدُكُمْ، فَلْيُمْسِكْ بِيَدِهِ عَلَى فِيهِ، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ يَدْخُلُ”[2]، ويزيد البخاري فإن أحدكم إذا قال: ها ضحك الشيطان”[3] ، وهنا تجسيد للمداخل الحسية للشيطان، فمع كل تثاؤب تتذكر جوارحنا تلك العداوة، فنضع يدنا على فمنا، ويد أخرى على قلوبنا، لنطهرها من رجس الشيطان، وتبدأ الاستعاذة والرجم. وبذلك يكون التثاؤب فرصة لتذكر عداوة الشيطان، سواء تثاؤبك أو تثاؤب غيرك، أو حتى تثاؤب حيوان تراه، اجعلها فرصة لتذكر عداوة الشيطان، واجعل من التثاؤب رمزية للانتفاضة ضد نعاس القلب وغفلته عن كيد الشيطان، لذلك قبل أن تسأل أحدهم بعد تثاؤبه إن كان يريد النوم؛ أشعل الحرب على الشيطان وذكره بالاستعاذة.

أما في المأكل والمشرب، فتتذكر أيضاً عداوة الشيطان، حين يتحول الأكل والشرب باليمين إلى قرار مخالفة للشيطان بدلاً من كونه مجرد عادة، لَا يَأْكُلَنَّ أَحَدٌ مِنْكُمْ بِشِمَالِهِ وَلَا يَشْرَبَنَّ بِهَا، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ يَأْكُلُ بِشِمَالِهِ وَيَشْرَبُ بِهَا[4]، وهنا حث على المخالفة، فنتذكر العداوة أثناء الأكل والشرب، ونتذكر ضرورة المخالفة في كل شيء.

وإن سمعت الأذان للصلاة، فاعلم أن معركة قد بدأت الآن، إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ أَدْبَرَ الشَّيْطَانُ وَلَهُ ضُرَاطٌ حَتَّى لَا يَسْمَعَ التَّأْذِينَ، فَإِذَا قَضَى النِّدَاءَ أَقْبَلَ حَتَّى إِذَا ثُوِّبَ بِالصَّلَاةِ أَدْبَرَ، حَتَّى إِذَا قَضَى التَّثْوِيبَ أَقْبَلَ حَتَّى يَخْطِرَ بَيْنَ الْمَرْءِ وَنَفْسِهِ، يَقُولُ اذْكُرْ كَذَا اذْكُرْ كَذَا لِمَا لَمْ يَكُنْ يَذْكُرُ حَتَّى يَظَلَّ الرَّجُلُ لَا يَدْرِي كَمْ صَلَّى [5]. وفي ذلك تجسيد مهين للشيطان، “أَدْبَرَ الشَّيْطَانُ وَلَهُ ضُرَاطٌ”، فمع كل أذان يولي الشيطان الأدبار، ويمكن أن يستخدم الأذان حتى في غير مواعيد الصلوات لتطهير البيوت، مثلما تستخدم سورة البقرة، لَا تَجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ مَقَابِرَ، إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْفِرُ مِنَ الْبَيْتِ الَّذِي تُقْرَأُ فِيهِ سُورَةُ الْبَقَرَة.[6]

فماذا عمن نام عن الصلاة؟! هنا تتجسد عداوة الشيطان مرة أخرى، “يَعْقِدُ الشَّيْطَانُ عَلَى قَافِيَةِ رَأْسِ أَحَدِكُمْ، إِذَا هُوَ نَامَ ثَلَاثَ عُقَدٍ يَضْرِبُ كُلَّ عُقْدَةٍ عَلَيْكَ لَيْلٌ طَوِيلٌ فَارْقُدْ، فَإِنِ اسْتَيْقَظَ فَذَكَرَ اللَّهَ انْحَلَّتْ عُقْدَةٌ، فَإِنْ تَوَضَّأَ انْحَلَّتْ عُقْدَةٌ، فَإِنْ صَلَّى انْحَلَّتْ عُقْدَةٌ، فَأَصْبَحَ نَشِيطًا طَيِّبَ النَّفْسِ وَإِلَّا أَصْبَحَ خَبِيثَ النَّفْسِ كَسْلَانَ “.[7] وفي رواية تجسد العداوة أكثر حتى ينتفض هذا النائم، فيوصف بأنه “بَالَ الشَّيْطَانُ فِي أُذُنِهِ “.[8]

أما في المساء، فنتذكر عداوة الشيطان وحدود إمكاناته المادية، فنسد المنافذ عليه، إِذَا كَانَ جُنْحُ اللَّيْلِ أَوْ أَمْسَيْتُمْ فَكُفُّوا صِبْيَانَكُمْ فَإِنَّ الشَّيَاطِينَ تَنْتَشِرُ حِينَئِذٍ فَإِذَا ذَهَبَتْ سَاعَةٌ مِنَ اللَّيْلِ فَحَلُّوهُمْ وَأَغْلِقُوا الْأَبْوَابَ، وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فَإِنَّ الشَّيْطَانَ لَا يَفْتَحُ بَابًا مُغْلَقًا [9]

فإن خلدنا إلى النوم، نتعلم كيف نعاديه حتى في منامنا، الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ مِنَ اللَّهِ، وَالرُّؤْيَا السَّوْءُ مِنَ الشَّيْطَانِ، فَمَنْ رَأَى رُؤْيَا فَكَرِهَ مِنْهَا شَيْئًا، فَلْيَنْفُثْ عَنْ يَسَارِهِ وَلْيَتَعَوَّذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ لَا تَضُرُّهُ، وَلَا يُخْبِرْ بِهَا أَحَدًا، فَإِنْ رَأَى رُؤْيَا حَسَنَةً، فَلْيُبْشِرْ وَلَا يُخْبِرْ إِلَّا مَنْ يُحِبُّ [10]“.وفي رواية وَلْيَبْصُقْ عَنْ شِمَالِهِ”[11]، وهنا إعلان للعداوة قولاً وفعلاً، بالتعوذ والبصق يساراً.

فإن استيقظنا من النوم، يتضافر الكون ليذكرنا بتلك العداوة ويحذرنا من الشيطان، إِذَا سَمِعْتُمْ صِيَاحَ الدِّيَكَةِ فَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ فَإِنَّهَا رَأَتْ مَلَكًا، وَإِذَا سَمِعْتُمْ نَهِيقَ الْحِمَارِ فَتَعَوَّذُوا بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ، فَإِنَّهُ رَأَى شَيْطَانًا[12] “. فهنا يلعب الحمار دور جهاز الإنذار المحذر للإنسان، انتبه.. ثمة شيطان هناك.

         كانت هذه جولة سريعة حول العداوة اليومية للشيطان وفق ما يغلب الظن بصحته من نصوص نبوية، صحيح أنه يرانا هو وقبيله من حيث لا نروهم، لكن الكون من حولنا مليء بأجهزة الإنذار، بداية من صراخ المولود الذي يذكرنا بالعداوة، إلى نهيق الحمار الذي اختاره الله كأنكر الأصوات ليكون جهاز إنذار، قبل أن تبدأ الغارات!!

وائل عادل

19-02-2025


انطلاقاً من رسالتنا “فاتخذه عدواً”. إن كنت تشعر بأذى شيطاني أو أعراض المس، فلا تتردد في طلب المساعدة، احجز استشارتك في منصة روح للرعاية الروحية والنفسية.
احجز استشارتك الآن 👉.

جميع حلقات السلسلة

أضف تعليق