نحو موسوعة الروحانيات

من أكثر الأمور التي كانت تشغلني في الرحلة الروحانية هو مدى دقة المعلومة التي نتعلمها، فلست بالشخص الذي يسلم عقله بسهولة لأي فكرة، وكنت دائم البحث حول أي فكرة تقال، لأرى من تكلم فيها والآراء المتنوعة فيها، فهذه فكرة يكاد يكون عليها إجماع في الوسط الروحاني، وهذه فكرة يقولها الآخرون ولكن بأسلوب وتفسير مختلف عن تفسير المعلم، وهذه فكرة انفرد بها المعلم ولم أعثر لها على مرجع آخر يتحدث فيها.. وهكذا..

وكان هذا العمل شديد الصعوبة من حيث الاستوثاق من مصادر المعلومات فضلاً عن دقتها، لكنها على الأقل تريني كيف يرى الآخرون ما أتعلمه، وكيف يقولون أحياناً نفس الشيء ولكن ربما بلغة مختلفة، تارة أكثر وضوحاً أو غموضاً.. كنت أقول ليتني أجد موسوعة روحانية تستعرض كل القضايا المطروحة في هذا المجال، فهي حتماً ستجعلنا أكثر وعياً ونحن نتعامل معه، على الأقل ستلهمنا الأسئلة السليمة والذكية، لكنني لم أجد هذه الموسوعة، وإنما وجدت مدارس وأشخاصاً كل يدافع عن قلعته، التي بناها بنفسه أو ورثها ممن سبقه، يخشى عليها أكثر مما يخشى أن يدرك أنها ربما ليست إلا قلعة من ورق.

         إن موسوعة الروحانيات إن تم إنجازها ستساهم في تحرير هذا المجال من انتشار الخرافة والوهم فيه تدريجياً، ومن ثم تطويره وإيجاد مناظير مختلفة للتعامل معه، كما ستضع أيدينا على مسطرة درجات لوثوقية أية معلومة في هذا المجال، على الأقل سنعرف أن هذه المعلومة شبه مؤكدة، بينما هذه يغلب عليها الظن، كما سنتعرف على درجة انتشار كل معلومة ورواجها في الوسط الروحاني، مع الأخذ في الاعتبار أن رواج المعلومة في حد ذاته لا يعني صحتها، فقد يجمع الروحانيون على باطل إن وصلهم بشكل غير موثوق فيه وتقبلوه، وقد تنتشر معلومات في هذا الوسط؛ لكن إن تتبعنا مصدرها قد نكتشف أنها معلومة واهية كتب لها القبول عبر عصور.

         وقد لمست ضرورة وجود هذه الموسوعة حين كنت مشغولاً بالبحث في قضية واحدة، كيف يتلقى الشخص الروحاني العلم، ولنقل علم الكشف بالصورة للتحقق من إصابات الأشخاص بالأذى الروحاني، فهو علم و مهارة يستخدمان عن قصد حين يحتاجهما من لديه هذه الملكة، هذا الموضوع على سبيل المثال تتعدد فيه الآراء، فهناك من يقول أنها كرامة إلهية محضة بسبب الذكر، ومن يرفض هذا القول قائلاً حتى الساحر العليم يمتلك نفس الموهبة، ومن يقول أنها عمل من أعمال الجن لمساعدة الإنسان، ومن يقول أنها مزيج بين الأمرين، بين الكرامة الإلهية ومساعدة الجن، ومن يقول أنهما نفس الشيء فمن كرامة الله أن جعل الجن يساعد الشخص في الوصول إلى هذه الموهبة، ومن يقول أنها شكل من أشكال المس ليس أكثر، ومن يقول أنها نور إلهي يصيب القلب، إذن سنجد في القضية الواحدة تنوع الآراء حول توصيفها، وقد نجد بالفعل أن الظاهرة واحدة ولكن كيفية حدوثها تختلف من شخص لآخر، كل ذلك جائز.

قضية مثل هذه وددت لو وجدت مكاناً يذكر لي كل الآراء حولها بشكال محايد وعلمي، يبين ثقل ووزن كل رأي ومصدره، مكان بحثي غير مهتم بالترجيح ولو في المرحلة الأولى، ولكن يرصد كل الآراء، ثم يرصد المصدر الذي اعتمد عليه كل رأي، فمثلاً هذا يقول تعلمت هذه المعلومة من الجن مباشرة، وهذا يقول تعلمتها من شيخي الذي تعلمها من شيخه وهكذا، حتى تصل إلى أصل المدرسة التي طرحت هذا التفسير، هذا يقول تعلمتها يقظة وهذا يقول تعلمتها في المنام، وغيرها من العناصر التي تفيد في رصد المعلومة ومصدرها وكيفية انتقالها إلى من تبناها.

وتصوري أن الموسوعة الروحانية يمكن أن تسد هذا الثغر، مستعرضة كل الآراء حول القضايا المتعلقة بالمجال الروحاني، ومن ثم تيسر على من يريد خوض المجال أن يعود إلى المسألة التي تشغله، ليرى ما طُرح فيها، قد يميل لرأي الغالبية، أو يميل لرأي المدرسة الأكثر تجذراً، أو يميل لما يضع هو معاييره، هذا في البدايات إلى أن تتطور فكرة الموسوعة، ويكون لديها نظام يستطيع أن يرجح ولو بنسبة مئوية أي الأطروحات يغلب الظن بصحتها، موضحة الأسباب. بحيث يكون هذا الترجيح في حد ذاته محلاً للتغيير لاحقاً إن ظهر شيء آخر، أو اكتشف منتقد أو باحث ثغرة تقود إلى إعادة النظر، فالموسوعة تنتصر لمشروع تطوير منهجية الوصول لمعلومة أدق باستمرار، ولا تنشغل بمشروع حماية المعلومة الراهنة أو الخشية عليها من الفناء.

إن وُجدت هذه الموسوعة ستضع المجال الروحاني مكشوفاً بين أيدي الجميع، دون ادعاء احتكار معرفة فيه أو حتى تميزاً خاصاً، فنحن في الغالب نظن أننا مميزون حتى تتاح لنا فرصة الاطلاع على آخرين يقومون بمثل ما نقوم به، لنجد أنهم ربما سبقونا إلى أشياء لم نتعلمها، أو نتأكد أننا بالفعل مميزون.

إن مشروع الموسوعة الروحانية هو مشروع تحرير للمجال، فهي ستحرر المريد من الرؤية الأحادية للشيخ باعتباره المصدر الوحيد للمعلومة الصحيحة، كما ستحرر الشيخ من التقوقع حول ما وصل إليه بنفسه، أو ما تعلمه من شيخه، وبذلك ستخلق حالة من النقاش الجاد حول قضايا متنوعة في هذا المجال، كلها يندرج تحت عالم الغيب، الذي يصعب أن نجد أدوات دقيقة للتحقق من صحته.

إن آفة المدارس والمذاهب بصفة عامة أنها تميل إلى إثبات صحة ما هي عليه، وقلما تجدها تبحث خارجها عن ما هو أدق وأصج، خاصة في المجال الروحاني إن اعتقد الشخص أن الله هو الذي يعلمه، ومن ثم فكل ما يصله حقائق لا يمكن أن تخطيء، والسبب أنه جزم بالمصدر، أنه الله مباشرة دون أية تشويش، أو تدخل نفسي، أو وحي من صالح الجن، أو تلاعب من الشياطين.

هذا هو أحد المشاريع التي أرى بضرورتها لتطوير التعامل مع المجال الروحاني، وأعتبره يمثل نقلة كبرى في هذا المجال للمهتمين به، بل وحتى في موقف الرافضين له. حيث تقف الموسوعة الروحانية كجهة محايدة مستعرضة دون ترجيح، كل المدارس والآراء أياً كانت درجة انتشارها، مع توفير الإحصاءات المهمة التي تمكن من رؤية الأوزان المتنوعة للآراء.

أما على المستوى الروحي فإن الموسوعة ستنعكس علينا تزكية للنفس، حين نتيقن عملياً أننا ما أوتينا من العلم إلا قليلاً، فنتواضع للبشر، ونسأل الله دائماً الهداية والرشاد، وقد نرى ثغرات الشيطان في هذا المجال كيف تسللت إلى الأطروحات ومتى. إنها باختصار موسوعة ترينا براح هذا العالم، كما تساعد في تبديد أوهامنا.

وائل عادل

7/1/2025

جميع حلقات السلسلة

أضف تعليق