في عالم الروحانيات ستجد الأوراد تلعب دوراً كبيراً في عملية الارتقاء، والمنضبطون من المسلمين المهتمين بهذا العالم يرددون أوراداً في الغالب من الذكر أو القرآن أو أسماء الله الحسنى، ويتجنبون غريب الألفاظ، فنور القرآن والذكر والأسماء الحسنى بالنسبة لهم يغني عن أي شيء آخر.
وقد لمست بنفسي أثر هذه الأمور الإيجابية على الحياة، وفي هذا تطبيق مباشر لإياك نعبد وإياك نستعين، فلا يُطلب أي شيء في هذا الوجود إلا باسم الله، ولا يُسأل عنه إلا الله.
ولأن الرحلة رحلة قلوب، “إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيم” (الشعراء:89)، فكنت كثيراً ما أتفقد قلبي، وكيف تؤثر هذه الرحلة على حضور الله في قلبي، أو حتى عن تصوري عنه، وقد لمست في صدري حرجاً من بعض الأمور المتعلقة بالذكر، ولا أقول مخالفات شرعية، ولكن شيئاً يُفقد القلب سكينته وطمأنينته، وهذا بالطبع أمر شخصي قد لا يشترك معي فيه كل من جربوا نفس الطريق، لكنها دعوة للتأمل والانتباه.
والأمر يتعلق بترديد ورد محدد، أو دعاء محدد بصيغة لا ينبغي تغييرها أو التلاعب فيها، والصيغة في حد ذاتها ليست بها مخالفات شرعية، ولكن الفكرة في تثبيت الصيغة، وكأن الله لن يجيب إن تم تغييرها، ومشكلتي مع هذه النقطة أنها تهز تصوري عن الله سبحانه وتعالى، وترميه تلميحاً لا تصريحاً بالنقص والقصور في الاستماع لعباده فضلاً عن الإجابة، وهذا ما وجدت عكسه تماماً في القرآن، من الحديث عن إله قريب مجيب، يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور، وما تسقط من ورقة إلا يعلمها، حتى إن تلعثمت الكلمات فلا تظن بالله سوءاً أنه لن يسمع أو يفهم، المهم أن تخلص لله، “فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ” (الروم: 65)، بل أحياناً يكفي أن تقلب وجهك في السماء ليوليك قبلة ترضاها، وإن اختلطت عليك القبلة فلا تجزع، هذا لا يعني أن صوتك لن يصل إلى الله، “وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ ۚ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ” (البقرة: 115).
هكذا عرفنا الله العظيم بنفسه، وحدد طريقاً سهلاً لندائه، “قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَٰنَ ۖ أَيًّا مَّا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَىٰ ۚ” (الإسراء: 110)، وهذا هو المطمئن في الله رباً، أنه يعرف ويحصي كل شيء، حدد وسائل التواصل المفيدة لنا في كتابه، وخصص بعض الأوقات بالذكر كأفضلية، فنلتزم بما أوضح الله لنا.
قد يفتح الله على بعض عباده ببعض الأوراد والدعوات، لكن التعلق بها في حد ذاته، وتصور أن الله يحتاج دعوة مخصصة حتى يميزك عن سائر الدعوات؛ هو ما ينزع طمأنينة القلب، وكأن الله حاشاه تختلط عليه الأصوات والكلمات، إنني أرى كل ما يأتي للمرء من دعوات خاصة أو أوراد في المنام – إن كان من عند الله- فهو من أجل العبد لا من أجل الله، فالوحي الأعظم وهو القرآن وصفه الله قائلاً: “”كَذَٰلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ ۖ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا” (الفرقان: 32)، فكل ذلك تثيبت للعبد وطمأنة لقلبه، أن الله معه يسمع ويرى، وأنه رب يرعى عباده ويزيدهم من فضله.
لذلك إن كان المقصود من الأوراد هو استعانة خالصة بالله لا شريك، فلا بأس من التنويع فيها، وعدم الاعتقاد فيها لذاتها، كذلك تردد الأوراد الخاصة التي يظنها المرء هدية من الله فلا يرفض الهدية، لكن لا يعتمد عليها باعتبارها وسيلة وحيدة بدونها لن يصل الدعاء أو لن يستجيب الله، فهو يرددها حباً في الله واستخداماً لهديته له.
إنه عمل قلبي بحت، فقد يوجد شخصان يدعوان الله بدعاء خاص، أحدهما ثقته في الدعاء وصيغته وخصوصيتها، وأنه إن غيرها لن يسمعه الله بنفس درجة وضوح السماع مع الدعاء الخاص، والآخر ثقته في الله، متقرباً إليه بما اختصه به، شاكراً له هديته، لكنه لا يتجاهل أيضاً هدايا الله الأخرى من الأدعية التي يشترك فيها كل خلق الله، ظاهرياً يبدو أن الشخصين يقومان بنفس الفعل، وهو دعاء الله وحده لا شريك له، ولكن الحقيقة أن قلبيهما لهما قول مختلف.
قد يقول قائل لكنني جربت فعلاً، فحين أثبت الصيغة تأتي نتائج إيجابية، وهذا يردنا إلى نفس الأمر، الفكرة ليست في فاعلية الصيغة، وإنما إلى ما ينظر إليه القلب أثناء الدعاء، إلى الصيغة أم الله، فلو أتت الصيغة بألف نتيجة بينما قلبي لا يرى الله؛ فهذه قد تكون حيلة شيطانية، وإن حزنت أني نسيت الصيغة لأني فقدت رقم التواصل مع الله؛ فهذا خلل كبير في الاعتقاد في الله.
إن الاعتقاد بضرورة تثبيت دعاء أو ذكر أو ورد مع الاعتقاد بفاعليته دون غيره، دون أصل واضح من وحي قرآني أو هداية نبوية، يعني في رأيي أننا قد نطلب الرقم الخطأ، لا بأس أن يحبب للمرء دعاء فيردده، لكنه لا يعتقد في فاعليته في حد ذاته بنفس ترتيب الكلمات، التي إن بدل فيها توقف الفانوس السحري عن العمل.
ففي هذه الحالة قد يظهر احتمال آخر، أن يكون المرء بالفعل يستخدم فانوساً سحرياً، وما الدعوات أو الأوراد الثابتة التي لا يمكن تغيير لفظ فيها، وفرضها المرء على نفسه، ليست إلا شفرة تواصل مع ساكن الفانوس الصالح، لذلك فأي خطأ في ترتيب الكلمات سيترتب عليه ألا يتم التواصل، خاصة إن وجدت قائلاً يزيدك من الشعر بيتاً ويقول لك إن أعطيتَ نفس هذا الورد أو الدعاء لشخص آخر فلن يعمل معه، أو إن تم تغيير كلمة فلن يعمل، هو فقط لك بنفس الصيغة.. وهذا قد يزيد عندي احتمال نظرية الفانوس وكلمة السر.
أعلم أن الخيال قد يكون أخذني بعيداً، لكن لا بأس، هذا حديث النفس حين تخشى أن تفقد الله في الطريق، وتتصل بالرقم الخطأ، فليست كل استجابة دليلاً على أنه كان اتصالاً بالرقم الصحيح، فالكثيرون على الطريق يريدون أن تتصل بهم دون الله، يقولون لك خذ هذا رقم أفضل وأسرع، انظر كم يشبه رقم التواصل مع الله؟! هكذا تتمادى نفسي مع الخيال، ولكن عزاؤها أنها تخشى أن تذكر الله متجهة إلى لهب شمعة خافت في فانوس، وتترك نور السماوات والأرض!!
وائل عادل
26/12/2024
جميع الحلقات السابقة
- ما بعد التصدعات
- محبوس في عالم الجن
- مشروع العلاج والبنية التحتية
- التحصين.. بناء قلعة أم فرار إلى الله؟!
- الكشف.. 3 في 1
- كشفي لا يخطيء
- بين الشيخ والمدرب
- انتقادات على الطريق
- تصميم الطريق
- بين الارتقاء الروحاني والإيماني
- أمصال على الطريق
- منهج التعلم
- أوارد أم فوانيس سحرية؟!
- الصحبة الناضجة
- نحو موسوعة الروحانيات
- لا تقصص رؤياك
- الشيخ المختطَف
- على من تَنَزَّل الشياطين
- !علم لدني أم علوم روحانية؟
- حرب الشيطان بين القوة الصلبة والناعمة
- مجربات بلا تجربة
أضف تعليق