من التحديات التي تواجه طلاب الرحلة الروحانية التحقق من صحة أو مدى دقة المعلومات التي تصلهم، وأعني هنا المعلومات والمعارف المتعلقة بعالم الغيب، مثلاً ماهية العلم اللدني؟ وكيف يصلنا؟ وما احتمالية أن يكون هذا العلم في بعض الأحيان مصدره الجن، وبالتالي فمدى صحته سيتوقف على مدى إدراك الجن لهذا العلم في حالة صدقهم، أو مدى تلاعبهم بنا في حالة كذبهم.
ويلعب الشيخ أو المعلم دوراً مهماً في ضبط هذا العلم في وعي سالك الطريق، وهنا سيبرز سؤال آخر حول مدى سلامة إدراك الشيخ أو المعلم نفسه، وهل يمكن أن تكون إدراكات الشيخ نفسه بها قصور؟! وإذا قلنا أن الشيخ ينتمي لمدرسة أكبر لها جذور تاريخية، هذا لن ينفي أيضاً السؤال.. ما إمكانية أن يكون هناك خطأ تم توارثه عبر سنين من خلال هذه المدرسة؟! بالإضافة إلى أن الشيخ قد يفصح عن معلومة ويحجب أخرى، بسبب تقديره لنوعية الإجابة التي تناسب مرحلة السالك، وهذا أيضاً يقودنا إلى سؤال حول مدى صلابة وتماسك المعرفة التي تصلنا عبر الشيخ؟!
كل هذه الأسئلة تجعلنا نتعامل مع المعارف حول الغيبيات بحذر، باستثناء ما هو قطعي الثبوت والدلالة فيما أوحى به الله إلى نبيه، فهذه معلومات أتتنا عبر وسيط لا نشك في أنه نقل حرفياً ما وصل إليه، كما لا نشك في حفظ الله لقناة نقل المعلومات، والتي يمثلها جبريل عليه السلام، فهي قناة صادقة أمينة ليس فيها أي تشويش، لذلك ما وصلنا من خلاله يمثل الجمل اليقينية الأكيدة حول عالَم الغيب، والتي أخبر بها عالِم الغيب والشهادة.
بعد ذلك سيندرج كل كلام حول عالم الغيب ضمن الخبرة والتجربة الإنسانية، وشغف الإنسان في البحث واكتشاف ذلك الكون المسخر له ظاهره وباطنه، وفتوحات الله على بني الإنسان وهدايتهم إلى صحيح العلم، وتلاعب الشياطين بالناس وتلبيس العلم عليهم أيضاً. لذلك فمن المقبول في عملية الاكتشاف هذه أن يحدث الخطأ وسوء الفهم، وهذا لا يجعلنا نرفض فكرة العلوم والمعارف الغيبية بالكلية، بل نكون واعين إلى طبيعتها وإشكالياتها وتحدياتها قبل اعتمادها كمعلومة أو معرفة يقينية.
والفرق بين علوم الغيب وعلوم الشهادة، أن علم الشهادة يتم اكتسابه في الغالب عن قصد ومنهج تعليم قائم على السبب والنتيجة، أي إذا قرأت كتاب الفيزياء ستتعلم ما جاء فيه، أما علوم الغيب فغالبا تلقى في القلب دون هذا المجهود المخصص في التحصيل بنفس الطريقة المادية، قد يُبذل المجهود في طريق آخر مثل برامج الارتقاء الروحاني، قتُفتح للشخص بوابات للعلم الغيبي، أو يتم ذلك دون مجهود فضلاً من الله، في كل الأحوال فطبيعة التلقي تختلف عن علم الشهادة، كذلك مصادر التلقي غيبية، قد تكون من ملك أو جن أو شيطان أو نفس.
أما من حيث طبيعة تعامل السالك في هذا الطريق مع المعلومة؛ فأرى ألا يخالف المنهج البشري في التعامل مع أي نوع من العلوم، هذا إن اقتنع أنه ليس نبياً متأكداً من عصمة ما يأتيه غيباً، وإنما بشر معرض لكل أنواع القصور الإنساني، في هذه الحالة لن يكون مهتماً أن يثبت لنفسه أولاً ثم للآخرين أن كل معرفته الغيبية يقينية، سيضع كل الاحتمالات مستكشفاً، فقد يتشكل عنده وعي محدد في مسألة من مسائل الغيب في فترة، ثم يتطور هذا الوعي والإدراك لاحقاً، لذلك فهو في رحلة تعلم مستمر وتصحيح للمعلومة كلما أتت فرصة لذلك.
إن من أدواء الرحلات الروحانية أن تجعلك تضع نفسك في مصاف الأنبياء، حتى ولو لم يتم التصريح بذلك، لكن هكذا قد يرى الشخص نفسه، طالما أن المعلومة لم تأته بنفس طريقة عالم الشهادة فهي معرفة لا يأتيها الباطل من بين يديها ولا من خلفها، وهذا وهم يعيق إنضاج واكتشاف ثغرات علوم الغيب، أو حتى مراجعة الأفكار الأساسية حول ماهيتها ومدى مصداقيتها.
وهنا يجب أن ننتبه لطبيعة السالك وتأثيرها على منهجيته في التعامل مع العلوم، فإن كان يميل إلى اليقينيات ولا يستطيع التعايش مع فكرة نسبية المعرفة بصفة عامة، فسينعكس ذلك أيضاً في تعبيره عن الغيبيات وطريقة تلقيها ومضمونها، وسينزعج من أي فكرة تنزع اليقين مما يؤمن به ويرتكز عليه، أما إن كانت طبيعته المرونة والانطلاق من نسبية المعرفة فسيجوب عوالم الغيب مستكشفاً، يعلم أنه ليس مدعو لإثبات اليقين، أو حتى التصديق والتكذيب، هو فقط مستكشف، ومعلومة اليوم قد تتطور أو تبطل غداً.. وهذا لا يضيره في شيء، هذا فقط يضير المعلومة التي سكنت رأسه مدة طويلة.
إن أهم شيء قبل تعلم أي علم هو معرفة منهج التعلم، لأن هذا المنهج هو الذي سيساعد في الوصول إلى المعلومة، وتقييمها لاحقاً، وقبولها أو رفضها، لذلك كان توضيح المنهج ضرورة لسالك الطريق، فلا يدخل مباشرة في التعلم دون معرفة أسسه، وأهم قاعدة يجب البحث عنها في المنهج، هل يرى السالك نفسه في الطريق بشراً روحانياً أم بشراً نبياً.
وائل عادل
25/12/2024
جميع حلقات السلسلة
- ما بعد التصدعات
- محبوس في عالم الجن
- مشروع العلاج والبنية التحتية
- التحصين.. بناء قلعة أم فرار إلى الله؟!
- الكشف.. 3 في 1
- كشفي لا يخطيء
- بين الشيخ والمدرب
- انتقادات على الطريق
- تصميم الطريق
- بين الارتقاء الروحاني والإيماني
- أمصال على الطريق
- منهج التعلم
- أوارد أم فوانيس سحرية؟!
- الصحبة الناضجة
- نحو موسوعة الروحانيات
- لا تقصص رؤياك
- الشيخ المختطَف
- على من تَنَزَّل الشياطين
- !علم لدني أم علوم روحانية؟
- حرب الشيطان بين القوة الصلبة والناعمة
- مجربات بلا تجربة
أضف تعليق