أمصال على الطريق

تتطلب رحلة الغيب أمصالاً خاصة من أجل السلامة، فكما تأخذ الأمصال اللازمة قبل الذهاب إلى دولة تنتشر فيها الأمراض؛ فإنك في حاجة إلى الأمصال الضرورية لرحلة الغيب، وأعني بها تلك الرحلة التي تريد منها اكتساب قدرات تعينك على اكتشاف عوالم خفية والتواصل معها. وبدون هذه الأمصال قد تفوز بالقدرات لكنك تخسر نفسك.

ستحتاج مصلاً ضد الشرك، يجعلك شديد الحساسية تجاه أي عمل أو فكرة أو توجه فيه شبهة شرك بالله، قد يأتي ذلك التحذير داخلي بشكل مباشر كنزغة في القلب، أو نفور من ذلك الشيء، أو وقفة انتباه للعقل، تقول لك.. انتظر.. هنا شبهة شرك، أو يأتيك ذلك من خارجك عبر بشر يحذرك، أو في منامك عبر رؤيا تنبهك، حينها تعامل بجدية مع هذه المؤشرات، لا تتجاهلها ولكن ادرس الأمر جيداً، واستعذ بالله من أن تشرك به شيئاً تعلمه، واستغفره لما لا تعلمه.

وستحتاج مصلاً ضد الشيطان، فلا تنس أنه عدو مبين متربص بك، أخذ على نفسه أن يحرفك عن الصراط المستقيم، “قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيم )الأعراف: 16)، فاحذر مكره في كل تفصيلة من تفاصيل الرحلةـ، ولا يوهمنك أنه لا يستطيع الوصول إليك بحكم تميزك، بل قد تكتشف أنك في لعبة صممها لك ببراعة، فأقنعك بأنه استسلم ورفع الراية البيضاء، لتكتشف لاحقاً أنها ليست سوى راية مرفوعة على قلعته التي تجوب فيها وأنت تظن أنك طليق.

وهذا يجعلنا نتساءل في كل خطوة من خلال المَصلين السابقين، أين الله فيما نفعل؟ وأين خطوة الشيطان المحتملة أيضاً؟! مثلاً بمهارات الكشف سأساعد المحتاج، هنا أنت ترى الله فتشكر نعمته، لكنك أيضاً ترى فخ الشيطان، فتعلن أنك لن تتجسس أو تغتب أو تتوجه بالأوراد أو تسأل تأييداً من غير الله، وإلا تكون في لعبة الشيطان.

         وستحتاج مصلاً ضد الأنا، خاصة كلما تطورت قدراتك، وتجد أنك تنظر لمن هم حولك أنهم دونك، أو أن أحداً من خلق الله لن يصل إلى ما وصلت إليه، أو قد تحسد من يرافقونك في الرحلة على ما آتاهم الله من فضله.

كذلك ستحتاج مصلاً ضد استنزاف العقل الواعي في محاولة فهم وتحليل كل ما هو ما ورائي بشكل لا يتوقف، محاولاً فهم أشياء ما زالت تفوق قدراته، لذلك يجب أن يهدأ العقل قليلاً لحين اكتمال بعض الأمور، بحيث لا يتم التشويش على رؤية القلب، فالرحلة الروحانية تسعى إلى فتح الطريق للقلب ليرى، وتأخير عمل العقل قليلاُ لما بعد رؤية القلب، وقد فصلت ذلك في مقال” أزمة ريسيفر” في سلسلة تصدعات في عالم الغيب. وفي المقابل تحتاج عقلاً واعياً حاضراً، يفهم شرح الشيخ، ويرى مدى اتساقه أو تناقضه، كما وضحت في مقال “بين الشيخ والمدرب”.

كما ستحتاج مصلاً يحفظ لك إدراكك الواعي بعالم الشهادة دون تشويش، فالاستغراق في عالم الغيب قد يجعل رؤيتك مشوشة لعالم الشهادة في بعض الأمور، وذلك لأن رافد المعلومات الغيبي عندك قد يكون مخطئاً، أو يكون اعتراك بعض التشويش وأنت تستقي من هذا الرافد، وقد تفيد الصحبة من حولك في ذلك، خاصة إن كانوا خارج الرحلة، عليك أن تنصت لهم وتنتبه لرأيهم في تصوراتك عن الواقع.

كذلك ستحتاج مصلاً ضد أثر الطاقات الأخرى عليك، مثل طاقة الجن، إذ قد تتطبع بانفعالاتهم مع الوقت بحكم ملازمتهم لك، فتشعر بشعورهم، وربما تتحدث بلسانهم، واعلم أنك في كل الأحوال ممسوس بحكم تلك الملازمة، أي أن طاقتهم ستمسك، قد لا يضرك مسهم مثلما يحدث للمصاب بالأذى الشيطاني، لكنك ستتأثر بطاقاتهم، وعليك أن تعي هذا الـتأثير على انفعالاتك وسلوكياتك، وهنا أيضاً تفيدك الصحبة في لفت انتباهك لما لا تشعر به من تغيير في شخصيتك.

وستحتاج مصلاً ضد التعلق بالشيخ أو المعلم، يحول دون خشيتك الابتعاد عنه والتعلم الذاتي، خصوصاً بعد فترة ملازمة طويلة، وهذا له عواقب غير محمودة لاحقاً، ماذا لو قرر الشيخ عدم الاستمرار في الرحلة؟ ماذا لو فُتن؟ ماذا لو وددت ألا تكمل معه لأي سبب شخصي؟ أو ماذا لو قرر هو ألا تكمل أنت معه؟! فالأفضل أن يكونك هدفك هو الوصول إلى الاستقلال، وأن تتجه إلى الله وحده، فإن كان ما تطلبه لك؛ فسيأتيك بجهد أو بدون جهد، وإن لم يكن لك؛ فلن يأتيك رغم كل جهد، فاحذر أن يكون الشيخ هو بوابة الشرك دون أن تدري.

هذه مجموعة من الأمصال الضرورية، ويمكنك في الرحلة اكتشاف أمصال أخرى تحتاجها بحكم طبيعتك وطبيعة تجربتك، فالطريق سيؤثر عليك سلباً وإيجاباً، فعليك استثمار إيجابياته، والوقوف مع النفس لرصد السلبيات، ووضع برنامج للتعامل معها، وهذا سيتطلب أن لا تقتصر في رحلتك على احتياجات تطوير القدرات، لكنك ستسلك طريق المجاهدة لضبط النفس، والتعلق بالله وحده لا شريك له.

وائل عادل

20/12/2024

جميع الحلقات السابقة

أضف تعليق