ذكرتُ أن من ثمرات المحطة السابقة في رحلة الغيب تبلور مشروع واضح للعلاج الروحاني، ولأنني أتحرى الحذر من مداخل الشيطان فقد رصدت بعض الأمور التي يمكن أن يتسلل منها الشيطان إلينا، رغم أننا نرفع راية عداوته، ومساعدة الناس في التحرر من إيذائه.
أرى أن عنوان “العلاج من الأذى الروحاني” في حد ذاته سلاح ذو حدين، فهو من طرف يحارب شياطين الجن، ومن طرف آخر قد يكون مدخلاً للشياطين حين يصاب الناس بالهوس تجاه هذا العالم الخفي، لذلك ينبغي التعامل مع هذا الأمر بالجرعة الصحية المناسبة، وهي جرعة إلا من اغترف غرفة بيده.. ليس أكثر.
لذلك لا ينبغي الهوس بموضوع الأذى الروحاني، والطلب المستمر للكشف عن الإصابات، فهذا قد يفرح الشيطان، والأصل أن لا يلجأ إلى معالج إلا مضطر فقد الحيلة، نحن لا نذهب للطبيب العضوي فور أن نشعر بصداع، نحاول أولاً أن نداوي أنفسنا فإن عجزنا بحثنا عن متخصص.
كما لا ينبغي أن يكون أول ما يتبادر إلى ذهننا مع أية مشكلة أنها من الشيطان، هذا أيضاً تعظيم له، يكفي أن نستعيذ بالله من الشيطان، ثم نفتش في أنفسنا أولاً، ولا نمنح الشيطان ذلك الزهو.
والأصل هو أن تنتشر ثقافة التحصين، مع الأخذ في الاعتبار أن الفكرة تقوم على مركزية الله لا الشيطان، ففلسفة التحصين عندي ليست بناء جدار حماية شخصي على أرضي، ولكنها فرار والتجاء إلى حصن الله، كمن وجد قطاع طرق يحاولون الهجوم عليه، لم يبحث كيف يحصن نفسه في مكانه، ولكنه نظر يمنة ويسرة إلى حشود بشرية، فاتخذ القرار بالفرار نحوها وإلقاء نفسه وسطها، فالتحصين عندي هو فرار إلى الله، إلى مالك الملك الذي لا يعلم جنوده إلا هو، والالتجاء بحصنه، فلا يتسلط علينا أحد من خلقه، التحصين هو نداء يا رب.. لا تكلني إلى نفسي أو لأحد من خلقك طرفة عين، و”أحد من خلقك” تشمل الإنس والجن، فلا يكلنا الله لهم فيعتدوا علينا، أو يكلنا لهم فنحتمي بهم من دونه، فالتحصين هو بناء اتصال وولاية مع الله، لا تشييد قلعة ضد الشيطان، فمن كان مع الله فهو حسبه، أليس الله بكاف عبده؟!
وبناء على فلسفة التحصين أرى أن برامج العلاج من ذكر وأوراد يجب أن تهدف إلى تقوية الاتصال بالله، فلا يُقصد منها استجلاب دعم ملائكي أو جن صالح، هي اتصال واستغاثة بالله، وليفعل الله ما يشاء كيفما شاء، لن نضع لله خطة أو نقترح عليه ماذا يفعل، وهي كذلك بمثابة إعلان يوضح إلى أي طرف تنتمي، فتهتف من أعماق قلبك إن نزل بك أذى.. “وإنا لنحن المسبحون، فمن أنتم؟! الله مولانا ولا مولى لكم”.
هذه الفلسفة في التحصين تحول دون أن يرتهن الشخص نفسه لمعالج، فإن احتاجه في البداية فلا بأس، حتى يستفيق ويتعلم كيف يفر إلى تحصينات الملك، وإلا أصبح أسير المعالج، وفي ذلك خطر عظيم حتى لو كان المعالج أتقى خلق الله، فالتعلق في أمور الغيبيات بغير الله يفتح باب الشيطان على المعالج والمصاب على السواء، والأصل هو تحري الخروج من هذه المساحة بأسرع وقت ممكن، والانشغال بحصن الله، فقد يكون المعالج الطيب التقي هو واجهة الشيطان دون أن يدري، وذلك حين يغذي في المصاب ضرورة الاعتماد عليه، فيتحول الله في وعي المصاب إلى عنصر مساعد بينما المعالج هو العنصر الرئيسي، وللمعالج دور كبير في تعزيز هذا الشعور أو وأده، ولنتذكر دائماً أن مشروع الشيطان الأساسي ليس الإصابات، ولكن الشرك بالله، وما الإصابات إلا مدخل للشرك الناعم، عبر واجهات مقبولة وليست صريحة، هذا الشرك الناعم يتسلل إلى القلب قطرة قطرة، حتى يدمن الشخص وجود المعالج، ويخشى البعد عنه خطوة كي لا يصيبه أذى، بينما يبعد عن الله آلاف الأميال دون أن تطرف له عين.
وائل عادل
07/12/2024
جميع حلقات السلسلة
- ما بعد التصدعات
- محبوس في عالم الجن
- مشروع العلاج والبنية التحتية
- التحصين.. بناء قلعة أم فرار إلى الله؟!
- الكشف.. 3 في 1
- كشفي لا يخطيء
- بين الشيخ والمدرب
- انتقادات على الطريق
- تصميم الطريق
- بين الارتقاء الروحاني والإيماني
- أمصال على الطريق
- منهج التعلم
- أوارد أم فوانيس سحرية؟!
- الصحبة الناضجة
- نحو موسوعة الروحانيات
- لا تقصص رؤياك
- الشيخ المختطَف
- على من تَنَزَّل الشياطين
- !علم لدني أم علوم روحانية؟
- حرب الشيطان بين القوة الصلبة والناعمة
- مجربات بلا تجربة
أضف تعليق