محبوس في عالم الجن

بدأت الرحلة في عالم الغيب بسبب قصة مرتبطة بعالم الجن، وقد ذكرت تفاصيل البداية في سلسلة تصدعات في عالم الغيب، ولعلها مشيئة الله أن يدلني إلى بابه عبر مدخل لم أتوقعه قط.. مدخل الشيطان.

تعلمت في الرحلة أشياء عظيمة، أبرزها ذكر الله، ذلك الطريق الذي لم أسلكه قط، وأعني به الذكر بأعداد كبيرة، وقد كانت النتائج المادية ملموسة بدرجة كبيرة، ويسهل اختبار إن كانت صدقاً أم وهماً، فكثرت الرؤى الصادقة، ولم يعد عالم الأحلام كما كان من قبل.

كذلك من الأمور المهمة التي اكتسبتها في هذه الرحلة هي حساسية جهاز الإنذار تجاه الجن برهم وفاجرهم، سواء في عالم الأحلام التي تأتي ببشارات أو تحذيرات واضحة، أو عالم اليقظة الذي بدأت فيه أعرف علامات شخصية تدلني على وجود صالح من هذا العالم الخفي يبغي المودة في القربى، أو متلصص يبغي الفساد، حيث تأتي المؤشرات التي تقول أن ثمة عابث في المكان الآن، والحل عادة بسيط كما تعلمنا من معلمنا.. مدفعية الذكر التي لا تبقي ولا تذر.

وبالوقت ازدادت الحساسية تجاه عالم الجن واستشعار الوجود، ليس بصورة دائمة، ولكن يحدث ذلك عندما يأذن الله له أن يحدث. لكنه قطعاً لم يكن موجوداً قبل الرحلة.

وبحكم أن المدخل إلى الرحلة كان من هذا الباب، فكان من الطبيعي أن يكون معظم الكلام حوله، وأقصد هنا كلام المجموعة المصاحبة والمعلم، وهو أمر مفهوم في سياقه، فهو أقرب لدراسة تخصص محدد، وبالتالي يستغرق المرء فيه.

وبصفة شخصية لم أستسغ كثرة الحديث عن عالم الجن، ولم أكن مهووساً بالتعرف عليه، وليس لدي اهتمام شخصي بالكشف على الآخرين إن كان لديهم أذى من الجن أم لا، وإن كنت أقدر هذه الموهبة التي حباها الله لبعض عباده. لطالما تعجبت من صنع الله كلما رأيت موهوباً، فسبحان من مكن الإنسان من هذه القدرات، لكن كل ميسر لما خلق له.

كنت أطرح على نفسي عدة أسئلة؟ هل سأبقى محبوساً في عالم الجن؟ أنمي قدراتي في هذه المساحة التي لم تحبب إلى نفسي؟ هل لهذا الأمر تأثيرات سلبية على الحياة وطريقة النظر للناس؟ هل الإنسان يتطبع بما يكثر الاهتمام به والحديث عنه؟

لا بأس إن كان أول ما سيتكشف في رحلة الغيب هو عالم الجن، لكنه من وجه آخر أيضاً عالم الشياطين، فهل سيطلقون أعنتنا لنبحر إلى الله، أم سيزينون لنا المقام عندهم حتى ونحن نفعل الخير؟ هل سيطول المقام في هذه المحطة؟! أم سننطلق إلى المحطة التالية؟!

ورأيي أن هذا هو أول امتحان سيواجه من يدخل رحلة الغيب من نفس المدخل الذي وجدت نفسي فيه، مدخل الجن والعلاج وحرب الشيطان، فالشيطان ماكر، حربه الأساسية مع ابن آدم ألا يتعرف على ربه، فلا بأس أن يرى الله من خلاله في مقابل إشغاله عن استئناف الرحلة بعيداً عنه.

على مدار أربع سنوات كنت أتحسس مواضع أقدامي، كنت أفكر.. أين حيلة الشيطان فيما أفعل؟ ولأن الوصول إلى إجابة قطعية عسير إلا لمن يسره له للإجابة، كنت أقطع حبال المقام في عالم الجن، فلا أهتم بهذا العالم، أو أتعلم أي مهارة قد يكون لدي ولو شبهة بسيطة في تماسها مع عالم الجن، مثل الكشف على الغير من خلال صورة الوجه، حاولت أن أتعلم الآمر أكثر من مرة، كلها باءت بالفشل، ربما لضعف الإصرار من جهة، ولذلك التخوف من خطوة قد تقود إلى الانغماس في هذا العالم من جهة أخرى.

إنني ما زلت ممتناً لهذه المحطة التي نمَّت عندي الإحساس بعالم الغيب، والاهتمام بعداوة الشيطان، وسأبني على إيجابياتها، لكن ليس هذا أقصى ما أريد، أريد أن أشعر بالله كما شعرت بعالم الجن، أريد أن ألمس معيته دائماً، أريد أن يكون كلامي عنه لا سواه، أريد الأنس به أُنساً لا أشرك فيه معه إنساً ولا جاناً.

لا بأس إن كانت بداية الرحلة من التماس مع عالم الجان، فهي نفس بداية آدم عليه السلام حين تعرض له إبليس، والذي كان من الجن ففسق عن أمر ربه، لكن الاختبار الحقيقي سيكون في مغادرة هذه المحطة وألا أُحبس فيها، فكل محطة يطول المكوث فيها تصبح لاحقاً حجاباً عن المحطة التالية، إذ لا يتشوف المرء أصلاً إلى رؤية المحطة التالية ظناً منه أنه وصل إلى مبتغاه، ولا يشعر الإنسان أحياناً أنه محبوس، خاصة إن كانت مغريات المحطة واضحة، فيمكن أن تكون لديك صحبة من الجن، ويمكن أن تبدأ تدريجياً بالتعرف عليهم، ويمكن أن تشعر أنك أفضل ممن حولك، ويمكن أن يأخذك هذا العالم إلى ممالك وكشوفات، كما قد تُعطى بعض المكافآت لتطيل المقام، وتأتيك الفتوحات التي لا تعرف هل هي حقاً فتوحات ربانية أم استدراكات شيطانية حتى لا تغادر المحطة، فتظل تعبد الله ولكن داخل استحواذ عالم الجن عليك اهتماماً وتوجهاً، هذا هو السجن الذي أعني. وسيأتي تفصيل ذلك في حلقات أخرى.

أدركت أن وضوح البوصلة مهم جداً، وربما من الأفضل أن يحمل المرء في حقيبته من المرحلة السابقة ما يفيد فقط للمرحلة التالية، ويستغني عن الزوائد والتكميليات، فللوصول إلى المرحلة الجديدة يجب التخفف من القديم وليس الاستغناء الكامل، فما كان مركز التفكير في مرحلة يتحول في مرحلة أخرى إلى عنصر مساعد يجب عدم الغفلة عنه ليس أكثر.

شعرت أن الزمن لا يمضي، وأن الأقدام لا تخطو للأمام. فهل انتهت الرحلة هنا؟ كنت أتساءل هل سأتوقف طويلاً عند كل عجيبة أراها في الطريق، حينها لن أكمل الرحلة، بل قد أنسى الوجهة، ماذا فعل سليمان عليه السلام الذي كان يسير بجيشه فسمع نملة تتحدث؟! تبسم ضاحكاً من قولها وأكمل مسيرته، لم يذهب إلى عالم النمل لاستكشافه، لم يدخل جحور النمل ليرى روعة هذا العالم الخفي تحت الأرض، فقط تبسم من قولها ممتناً إلى الله، سائلاً إياه أن يشكر نعمته عليه. تمثلتُ حالة التبسم السليماني، يكفي التبسم لعالم الجن والدعاء لصالحيهم، والامتنان لله أن أراني من عجائب خلقه، لكن المقام ليس هنا.. فالموعد الله.

وائل عادل

05/12/2024

جميع حلفات السلسلة

أضف تعليق