الأعداد النسبية – كما يطلق عليها بالعربية – هي كل الأعداد التي يمكن أن توضع على صيغة بسط ومقام، مثل 3/4. وفي هذه الأعداد كل عدد يمكن أن ينسب إلى عدد آخر. فالصفر يمكن أن يكون0/1 ، ورقم 2 يمكن أن يكون 4/2 وهكذا. حتى الأرقام مثل 1.25 يمكن أن توضع على صيغة نسبية 125/100
قد تقول وما شأني أنا بهذا الكلام.. فلنستخدم الأعداد الصحيحة فقط، 1 و 2 و 3 بدون الصيغة النسبية.. وأنا متفق معك.. لكن على شرط .. حين تذهب لتشري من السوق لا تفاصل البائع وتقول 2.5 بدلاً من 3، أو عندما تشتري اطلب 1 كيلو أو 2 كيلو أو 3 كيلو، لا مجال ل1/2 كيلو. أو 1.25 كيلو.
ستدركين أنت أيضاً أهمية التفكير بصيغة نسبية أيضاً إن كنت تعدين مائدة غذاء بميزانية محدودة، وتقولين عندي 5 أفراد وكل فرد سيأكل ربع دجاجة، حينها ستحتاجين أن تعبري عن الدجاجة بصيغة نسبية. باعتبار أن رقم 1 (دجاجة واحدة) هو نفسه 4/4 ، لأن الدجاج بها أربعة أرباع. ونحن نفكر في الدجاجة الآن كمجموعة أرباع.
الآن.. كم ربع دجاجة ستحتاجين.. نعم صحيح .. لدينا 5 أفراد كل شخص سيأكل ربع دجاجة، نحن في حاجة إلى خمسة أرباع.. هذا يعني كم دجاجة؟ ستكون 5/4 أي دجاجة وربع. وتكتب بصيغة 1/4 1 كما هو موضح في الصورة.

الآن لندع الدجاجة وشأنها. فهناك قصة أهم من قصة الدجاجة وضيوفك الخمسة.
تسمى الأعداد النسبية بالإنجليزية Rational Numbers ، أي الأعداد العقلانية أو التي يمكن إدراكها. وكان فيثاغورث اليوناني يرى أن كل الأعداد نسبية. فكلها يمكن أن توضع على صيغة بسط ومقام.
لكن تلميذه هيباسوس انتبه إلى أن الأرقام ليست كلها نسبية، فتوجد أرقام لا يمكن وضعها على صيغة بسط ومقام، مثل 2√ ، فقيمته 1.414213562373095، ولا يوجد رقم إن قسمناه على رقم آخر يعطي هذه النتيجة بالضبط.
غضب أتباع فيثاغورث لمخالفة التلميذ للأستاذ، وقالوا أن ما طرحه لا وجود له في هذا الكون، وأطلقوا على أعداده الأعداد البلهاء أو اللامنطقية Irrational Numbers .
قال لهم هيباسوس.. صبراً.. إن كانت أعدادي عبيطة، فإن الأستاذ فيثاغورث هو الذي سمح لها بالوجود بين أعدادكم العاقلة.
تعجبوا من الأمر.. كيف ذلك وفيثاغورث معارض لفكرة وجود أعداد غير نسبية. كان هيباسوس ذكياً.. فقد اكتشف الثغرة من نفس نظرية أستاذه. فتطبيق قانون فيثاغورث المتعلق بالمثلث القائم الزاوية يكشف بوجود أعداد غير نسبية، فإن كانت قيمة كل من ضلعي الزاوية القائمة هي 1، فإنه وبناء على نظرية فيثاغورث فإن الضلع الثالث المقابل للزاوية القائمة سيكون 2√ أي:
1.41421356237309504880168872420969807856967187537694807317667973799
وهو ما لا يمكن كتابته على شكل عدد نسبي.

أتخيل أن هيباسوس لم يكن في حاجة إلى أن يرفع صوته عليهم، يكفيه الخروج إلى الشوارع لا يحمل سوى لافتة واحدة. مثلث فيثاغورث، فهو أبلغ من أي دعوة مضادة.
فإما أن قانون فيثاغورث خطأ، أو أن هناك بالفعل أعداداً عبيطة كما يطلقون هم عليها..
ما أسهل أن تطعن في سمعة أرقام لمجرد أنك لا تعقلها أو لا تملك أدوات التعامل معها. وإن كان 2√ العبيط الآن يستخدم في الرياضيات بل ويتخلل الكثير من المسائل؛ فإن في حياتنا الكثير مما ننكره اليوم لمجرد أن فقط تخيل وجوده يعصف بالمفاهيم الأساسية التي تعودنا عليها.
كذلك ليس أقوى من أن تفكك فكرة من داخلها. خاصة حين تصطدم الفكرة بواقع يعريها ويكشف ثغراتها. فبالفعل انتصر العلم لاحقاً لوجود الأعداد العبيطة وسط الأعداد العاقلة. لكن بعد أن دفع هيباسوس التكلفة عالية!!
تتنوع الروايات حول مصير التلميذ المفكر، البعض يقول تم إعدامه، والبعض الآخر يقول غرق في البحر، فقد عاقبته الآلهة!! إن صحت الرواية الأولى فإننا أمام أزمة بذورها تاريخية تتعلق باحتكار الرؤية، والتعصب الأعمى للرأي وللرمز. وإن صحت الرواية الثانية فيبدو أنه منذ الأزل تُحشر الآلهة في أي خلاف. حتى لو كان حول الأعداد!!
وائل عادل
05-05-2021


أضف تعليق