
سلطان.. تعال.. رائع
كم كانت سعادتي غامرة حين كنت أنادي سلطان ليأتي فيستجيب فوراً، كان يطير من مكانه فور أن يسمع اسمه ليأتيني مغرداً. أعشق تربية الطيور، لكن هذه المرة قررت أن أتعلم ترويضها، فكانت التجربة الأولى مع الطائر الصغير.. سلطان.
تواصلت مع إحدى المتخصصات في تدريب الببغاوات، أعطتني بعض التعليمات القيمة، كان مما قالته لي: الموضوع سيحتاج بعض الوقت .. فعليك بالصبر.
أجبتها: بالتأكيد، سيستغرق الأمر وقتاً حتى يثق بي ويفهمني ويستجيب لندائي.
قالت بأدب: أقصد سيستغرق وقتاً حتى تفهمه أنت أيضاً، هو له شخصيته الخاصة، يجب أن تعرف ما يحب وما لا يحب. ما الذي يخيفه وما الذي يطمئنه!!
لم أفكر قط أني عليَّ أن أفهمه، من يفهم من؟ لقد اشتريته ودفعت فيه مبلغاً ليس بالقليل، أنا المدرب وهو المتدرب، أنا الإنسان وهو الحيوان، أنا الذي يمتلك عقلاً كامل النضج وهو ربما يملك ربع عقل فقط.
اقتربت منه بعد نصائح المتخصصة.. بدأت أنظر إليه باعتباره يحمل شخصية مستقلة، تستوجب الاحترام والتفهم.
في اليوم التالي قلت سأدربه على أن يأتي إلي حين يسمع اسمه.. ناديته.. سلطان.. لم يأت.. سلطاااان.. لم يأت .. أخمن أنه لا يعرف أنني أناديه.. لا.. من المؤكد أنه لا يعرف.
بدأت أشتاط غضباً، إنه لا يفهم، غبي، أناديه باسمه ولا يأتي.
لكن مهلاً، من أدارك أن هذا هو اسمه، هذا ما تتخيله أو تريده أنت.. لماذا حين تنطق بتلك الحروف سيأتي؟ ماذا تعني بالنسبة له؟ ولنفرض أنه وعى أنها اسمه، لماذا سيأتي؟!
قلت الحمد لله أننا نحن البشر نتواصل بسهولة تلقائياً.. ثم فكرت ملياً.. عن أي تواصل سهل أتحدث؟! نحن ندخل معارك بسبب مفاهيم لم نتفق عليها، مثل مفاهيم التغيير والثورة والسعادة وتحكيم الشريعة أو تنحية الإسلام عن الحكم، نحن في نقاشاتنا عادة ما ننعت من لا يفهم خطابنا بالتخلف والحمق وعدم الفهم. قلما نفكر كم نحن عاجزون عن توصيل أفكارنا إلى غيرنا قبل أن نحاسبهم على قبولها من عدمه.
نحن نتحدث بلغة واحدة ولكن ليس بلسان واحد، كلنا تحت مظلة اللغة العربية، أما اللسان فيعكس الثقافة ونمط التفكير وطريقة التعبير. نحن سلاطين يقف كل منهم على غصن شجرة مستقل، كل ينادي في نفس الوقت.. سلطاااان. ثم نشكو جميعاً لا أمل.. لا أحد يسمعنا.. لا أحد يستجيب… كم هو الآخر متخلف!!
تبادلنا المقاعد أنا وسلطان، بت تلميذاً في مدرسته، علمني أنه لكي يثق الآخرون فينا يجب أن نثق فيهم، الصراخ والسب والشتم لن يغير من الأمر شيئاً، أننا لا ولن يفهم بعضنا بعضاً إلا بإزالة عوائق الفهم.
قد تكون العوائق صورة نمطية عن الآخر، حينها ليست المشكلة فيما ستقول، ولكن كيف ستغير الصورة قبل أن تقول.
قد تكون العوائق خبرة تاريخية سلبية، فقد تعلمت أنه حتى أمسك بطائري الصغير، يجب ألا أجري وراءه، أو أحاصره في زاوية ضيقة، يجب أن أحرص ألا يحمل أية سابقة تاريخية سلبية نحوي تعيقه من الثقة بي. إن أمسكته بقوة يوماً فسيتوجس كل يوم من أية محاولة لإمساكه.
لم يعد السؤال لماذا لا يفهمني سلطان؟ أصبح السؤال ما الذي سيدعو سلطان ليفهمني؟
مرت الأيام، يوماً بعد يوما كنت أزيل حواجز الفهم، كنت أعالج أثر الخبرة السلبية التي سببها من ادعوا قبلي أنهم يحاولون إفهام سلطان الغبي. لم أكن أريده أن يسمعني أن يفهمني، فقط أن يطمئن لي.
خلال فترة وجيزة أصبح سلطان يفهمني، حين أناديه يطير نحوي فرحاً ليقف على كتفي.. لاحظت أنه يقف على كتفي يكلمني.. يهمس في أذني.. لم أفهم أبداً ما يقول.. لكنه فجأة يحتد ويصرخ، أستطيع أن أخمن ما يقوله.. يا لك من إنسان غبي لا تفهم..
(المزيد…)