في طريقنا لرؤية الفهد كنت أفكر، لماذا أطلق على الأسد “ملك الغابة”؟! لماذا لا يكون الفهد؟! كلاهما من الحيوانات المفترسة ومن فصيلة القطط الكبيرة، بل إنني أزعم أن الفهد أحق باللقب من الأسد، يكفيه فخراً أنه أسرع حيوان على وجه الأرض، حيث تصل سرعته إلى 110 كم في الساعة.(1)
للأسد فنون رائعة في الحماية والدفاع. وهي من أسرار تميزه. فعندما تصف إنساناً بالأسد فهذا يعني أنه بارع في الدفاع والهجوم، وأنه يخطط للدفاع تماماً مثلما يخطط للهجوم، هذا ما تعلمناه من الأسود. واكتشفنا أنها تستاء كثيراً من أولئك الذين ينالون بلقب “أسد”، لمجرد أنهم يكتسبون جرأة الهجوم. أخبرونا أنهم ليسوا بهذه السطحية التي ينظر بها البشر إليهم، وأنهم براء من أي هجوم لا يرتكز على خطة دفاعية.
كم هي مثيرة تلك الأوقات التي يأتيك فيها نبأ استعداد الأسد لتناول إفطاره، حيث تبدأ آلات التصوير تشحذ هممها، لتلتقط مشاهد نادرة لملك الغابة وهو يُحضر فطوره، ثم يلتهمه بنهم. قد يكون الفطور غزالاً أو جاموساً وحشياً أو حماراً وحشياً.
عادة ما نشبه الإنسان الشجاع بالأسد، لأنه مقدام جسور لا يهاب. لكن الأسد لا يُعَبَّر عنه في البراري بصيغة المفرد “الأسد”. وفي الغالب إن ظهر أسد فهذا يعني أن ثمة أسود أخرى ترافقه. هذا ما اكتشفناه حين قال لنا مرشدنا.. الأسد هناك، مشيراً بعيداً إلى حيوان يتحرك خلف حشائش السافانا. لكننا ما إن أمسكنا المنظار المكبر، وبدأنا نحدق النظر فيه؛ حتى وجدنا الأسد يتقدمه أسد ثان، ثم ثالث ثم رابع.. الخ. وبدأنا نتسابق في عدهم.
الأسد صياد ماهر. يحسن اختيار هدفه، والوصول إليه، خرجنا من لقائه بالنصائح التالية:
تركيز الأهداف: ركِّز على هدفك، وحدِّده بدقة. حاول أن تضع نصب عينيك هدفاً واحداً، ولا تتشتت بين الأهداف، حتى وإن ظننت أنها كلها على مقربة منك، ففور أن تعدو نحو الهدف يفر منك، هذا ما تفعله الأسود وهي أمام قطيع من الغزلان، تركز على فريسة واحدة. تعي من البداية أنها لن تفوز إلا بواحدة، فتحسن الاختيار.
مشهور بملك الغابة، وإن أراد أحد من البشر أن يوصف بالشجاعة؛ ينتشي إن قيل له أنت أسد. كان لنا لقاء معه في موطنه. سافرنا له في زيارة خاصة، لنرى حياته عن قرب. نستمتع بتأمل شجاعته آملين أن تصيبنا عدواها، ونسمع زئيره بخشوع، لعلنا نتمثله في كفاحنا.
لكننا فوجئنا أن الأسد ليس فقط هذا الكائن الشجاع صاحب الزئير المرعب. فهو لم يكتسب مكانته في الغابة لمجرد الجرأة والصوت العالي. كما لا يعتمد فقط على شجاعته في إدارة حياته. لكنه مزود بقدرات تكتيكية بارعة تمكنه من تحقيق أهدافه وتجاوز المخاطر، وربما كانت هذه القدرات سر شجاعته، فهو يثق في امتلاكه أدوات الدفاع والهجوم. وقد أشار إلى ذلك في أكثر من مناسبة.
إن كنت تريد أن تكون مثل الأسد فادرسه جيداً، ولا تنظر إلى المشهد الأخير فقط حين ينقض على فريسته، هذا مشهد خادع إن ظننت أنه سر تميزه، هناك مشاهد أخرى أهم، تسبق هذا المشهد الدرامي الختامي.
دراسة الأسد تنبئنا كيف يعرف حدود قدراته، ويدرك نقاط ضعفه، فلا يهاجم إلا على مقربة من الطريدة، ويتجنب المعارك أحياناً ويكتفي بخطة دفاعية، وكيف لا يواجه فريسته من المقدمة إن كانت أقوى منه وبإمكانها أن تؤذيه، متى يختبيء ومتى يعلن عن وجوده، وكيف ينظم نفسه عبر مجموعات عمل مترابطة، وكيف يزأر ومتى يهاجم.
التنظيم.. الاختباء.. الظهور.. الزئير.. الدفاع.. الهجوم.. الإحجام.. هذا هو الأسد، فهو خليط من كل ذلك. وليس مجرد جرأة في الهجوم وقدرة على الزئير. يكفي أن تعلم أن الأسد يقضي نحو عشرين ساعة من يومه في راحة وخمول!! (1)
ورغم خموله لقَّبَه الإنسان بملك الغابة. فخموله الطويل يجعل لحركته معنى.. فإن تحرك تأثر الجميع بحركته. وهذا ما حدث معنا. فقد جاءتنا إشارة لاسلكية أن الأسد بدأ حركته هناك في مكان بعيد.. فقفزنا في السيارة المكشوفة، وجهزنا آلات التصوير، لنبدأ رحلة البحث عنه.
انطلقنا في البراري، كان السائق ماهراً يقطع المسافات دون أن يلتفت، فهو يعرف موقع الأسد جيداً، ويعلم تحت أي شجرة يستظل.
وصلنا إلى الشجرة، وما إن وجدناه حتى صمتت الألسن وتسمرت الأعين. اقتربنا منه في أدب بالغ كأننا في حضرة عالم جليل أو ولي صالح. كان على أهبة الاستعداد.. لا .. ليس لافتراسنا، وإنما ليبدأ دروسه.
وائل عادل
26/2/2012
—–
(1)Schaller, George B. (1972). The Serengeti lion: A study of predator-prey relations. Chicago: University of Chicago Press, p. 122.
أتت فكرة هذه السلسلة من وحي جولة في براري “مساي مارا” الكينية، حيث الموطن الأصلي للكثير من الحيوانات البرية. تراها هناك على طبيعتها في بيئتها، لا تملك إلا أن تتأمل فيها وتنصت إليها وتتعلم منها، كيف تدير شئونها في هذا العالم المترامي الأطراف.