أنهيت قراءة قاتحة الكتاب، وبعد أن سألت الله “اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ“، قلت الآن أجد الهداية في السورة التالية.. فإذا بأول آية “الٓــمٓ“.. يا الله.. ما هذا؟!! أهذه أول آية في أول سورة في القرآن بعد الفاتحة؟! أخذت أرددها لعلي أستوعب شيئاً.. “الٓــمٓ“…. لا شيء إطلاقاً.. عدت إلى التفاسير.. كلها محاولات غير قادرة على إعطاء تفسير متماسك, بل كلها محاولات تؤكد أن هذه الآية ليست مما سنجمع على فهمه.. ولكنها أول آية.. “الٓــمٓ”.. أغمضت عيني .. أخذت أرددها.. “الٓــمٓ“..”الٓــمٓ“..”الٓــمٓ“..
قلت في نفسي.. لأقرأ الآية التالية لعلها شارحة، “ذَٰلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ ۛ فِيهِ ۛ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ”.. زاد تعجبي.. أين الهداية وأنا لم أهتد إلى معنى أول آية؟!. أنا في صدمة أن يكون أول كلام الله لي لا أفهمه.
مهلاً.. لعل هذا هو المراد.. ولعل هذا هو الدرس المستفاد والحكمة البالغة.. “الٓــمٓ“..
أخذت أرددها .. “الٓــمٓ“..”الٓــمٓ“..”الٓــمٓ“..
مازلت لا أفهم معنى الآية، لكن ها هي معان أخرى تتوافد تباعاً.. شيئاً فشيئاً تتضح الصورة..
الله أكبر.. الٓــمٓ
الله أكبر.. الٓــمٓ
إنه الله يخاطبني.. وهذا هو كلام الله.. أياً كان ما يقول.. فهمتُ أو لم أفهم .. المهم أنه تفضَّل علي وكلمني وهو العلي الكبير.. “الٓــمٓ“.. أحب الآية حتى لو لم أفهمها.. بل غرابتها تذكرني أن المتحدث هو الله. “الٓــمٓ“.. ما هذا قول البشر!!
في عالم البشر حين يحدثك شخص عظيم فهذا في حد ذاته مبهج يدعو للفخر.. ثم يأتي لاحقاً ماذا قال، نحن فخورين في كل الأحوال، إن فهمنا سنفخر بما قاله هذا الشخص العظيم لنا، وإن لم نفهم سنفخر إن هذا العظيم كلمنا.. لا يهم إن فهمتُ لغته مباشرة أولا تفهم.. المهم أنه يكلمني.. “الٓــمٓ“.. فما بالنا إن كان العظيم هو خالق الوحود، الله عز وجل.
“الٓــمٓ“..لا أعرف معناهاـ لكنها تؤكد لي أن المتحدث ليس ممن اعتدت طريقته في الكلام، أو أفهم كل ما يقوله أو أستوعب أفعاله.. إنها تذكرنا أن المتحدث هو الله.. ولو تحدث بلسان إله يعكس العلم المطلق لديه لما فهمت أية كلمة من الكلمات.. فأنا عاجز عن فهم لغات بشر آخرين، فضلاً عن لغات الكائنات الأخرى من حيوانات وأشجار. قطعاً لن أحيط علماً بالله إلا بالقدر الذي سيسمح به إدراكي ويفتح به ربي.
لو تحدثتَ إلى عالم في الفيزياء لما فهمت كلمة من نظرياته المعقدة، سيتطلب الأمر دراسات تمهيدية لسنوات، فقط لفهم المصطلحات والمفردات، فضلاً عن المعاني والأفكار.. فكيف بالعليم خالق هذا الكون، أنى لعقولنا أن تستوعبه، أو أن تحيط به اللغة بمفرداتها المعدودة، التي وصلنا إليها، والتي هي من إنتاجنا البشري.
“الٓــمٓ“.. الله لا يود أن يتركنا في حيرة الأسئلة التي تسكن عقولنا.. لكنه لو أجاب لما فهمنا وفق عقلنا المحدود في هذه المرحلة من الحياة، لكنه تعهد أننا سنفهم في المرحلة القادمة من الحياة الآخرة، حين يكشف عنا الغطاء، ونرزق البصر الحديد..
نحن لا نسأل عن علوم ابتكرناها لفهم الكون، بل نريد أن نسأل عن أصل العلم الإلهي، وكيف تعمل الأقدار، وكأننا نبحث عن غرفة عمليات إدارة الكون، ونتصور أننا إن دخلناها سنفهم ونستوعب ما يدور فيها.. ولله المثل الأعلى.
إن أراد الله أن يتحدث عن العلم الإلهي وليس العلم كمنتج بشري، وأن يكون ذلك بلسان عربي مبين؛ فأي مفردات العلوم سيستخدم؟ تخيل أنك عدت ألف سنة إلى الوراء وتريد أن تتحدث مع الناس عن كيف يعمل الإنترنت وطريقة إرسال الملفات مهما كان حجمها.. ما هي الملفات أصلاً؟!!! بل جرب اليوم أن تشرح كيف يعمل نظام الإنترنت تفصيلياً لغير المتخصص وانظر كم سيصمد معك في الاستماع فضلاً عن الاستيعاب. فأنى لنا أن نستوعب علم الله الواسع. فالله لم يبخل علينا بالأجوبة، لكنها لو قيلت بلغة صافية تعبر عنها كما هي وليس وفق إمكانات عقولنا لما فُهمت على الإطلاق.. إن عدنا إلى الوراء سنلجأ إلى التشبيه لتقريب المعنى، سنقيس الإنترنت على الحمام الزاجل لنقرب المعنى، كذلك يضرب الله للناس الأمثال، لكن ليست كل المعاني تسعف فيها الأمثال، وليست كل المفاهيم يمكن تقريبها للذهن.. “الٓــمٓ“..
ليست الفكرة هنا عجز الله عن الشرح الإنسان، ولكن الفكرة أنه خلق كائناً متطور العقل مقارنة بالكائنات الأخرى المشاهدة، لكنه في النهاية محدود الإمكانات. وبالتالي فهو يتعامل مع هذا الكائن وفق إمكانات الكائن وليس وفق قدرات الإله، الذي يقول للشيء كن فيكون.
“الٓــمٓ“.. لا يُسأل عما يفعل وهم يُسألون. ليس استعلاء فهو القريب، ولكنه الأمر الواقع، فالسائل يجب أن تتوفر فيه إمكانية الإحاطة بالإجابة إذا قيلت، يسألنا محيطاً بأجوبتنا وما وراءها، بل يسمع سرنا ونجوانا، ونسأله فلا نحيط بشيء من علمه إلا بما شاء، حتى وإن وضع أمامنا كل العلوم… سنتوقف عند أول لفظ في العلم.. “الٓــمٓ“.
“الٓــمٓ“.. أول آية في السورة لا نعرف معناها، فوطِّن نفسك أنك في رحلتك مع كلام الله ستجد بعض ما لا تفهمه إطلاقاً، أو ما تفهمه بشكل محدود. كما قد تجد من الأحكام ما لا تدرك حكمته، حينها ردد “الٓــمٓ“.. وفوق كل ذي علم عليم.
“الٓــمٓ“.. نقر معها بعجزنا أمام الله سبحانه وتعالى، ونشكره أن تكرم علينا في عليائه فكلمنا وبين وضرب الأمثال على قدر ما تتحمله عقولنا.
“الٓــمٓ“.. نتعلم منها أن ليس كل ما نمر به من مواقف وأحداث سنفهمه، ستظهر الحكمة أحياناً وتلتبس علينا أحياناً ونجهلها تماماً أحياناً.. لكن في النهاية.. “الٓــمٓ“.
“الٓــمٓ“.. أصبحت من الآيات المحببة إلي، فهي ليست مجرد آية أبحث لها عن معنى، بل تعكس منهجاً كاملاً لمعرفة الله، لم أحصل على المعنى وفزت بالمنهج. “الٓــمٓ“…
قررت أن أضع على مكتبي لوحة مكتوب عليها “الٓــمٓ“، كلما نظرت إليها أتذكر الله، الذي لا نحيط بشيء من علمه إلا بما شاء.
“الٓــمٓ“.. ما ضاقت بنا السبل وتعثر علينا الفهم.
“الٓــمٓ“.. ما غابت الحكمة واختلطت علينا الأمور.
“الٓــمٓ“.. شعار التسليم للعارفين المحبين لله.. بحق سرها يا أكرم الأكرمين.. افتح لنا أبواب معرفتك وزدنا حباً لك.
وائل عادل
11-03-2023

أضف تعليق