الأرقام وشرطة الآداب

هاتفني صديقي وأخبرني أنه سيزرورني هو وأسرته بعد نصف ساعة. قلت في نفسي.. إذن أحضر لهم وجبة عشاء من البيتزا الذيذة.

أحضرت وجبتين بيتزا من الحجم الكبير. كانت الأسرة تتكون من 5 أفراد، الأبوين، وثلاثة أطفال. قلت سأخصص واحدة للأبوين، أقسمها نصفين، وواحدة للأطفال أقسمها ثلاثة أجزاء. وبالفعل تم إعداد كل شيء.

لكنهم عندما أتوا فوجئت أنهم بالفعل كانوا قد تعشوا للتو قبل مجيئهم. بم يريدوا إحراجي فلم يتمكنوا من إنهاء العشاء.

أكل الأبوين نصف بيتزا  (1/2)، أما الأطفال فأكلو قطعتين فقط أي (2/3). وبذلك أصبح متبقي لدي من بيتزا الأبوين1/2  بيتزا، ومن وجبة الأطفال قطعة واحدة أي 1/3 بيتزا. كما هو موضح في الصورة.

        قررت جمع المتبقي من الأطفال والأبوين معاً في طبق واحد، لكنني لا أعرف كم تبقى على وجه التحديد فأنا لا أعرف حاصل جمع  (1/2 +  1/3) . كيف سأجمع عدد مقامه 3، وآخر مقامه 2.

لكن مهلاً.. لقد مررت بهذا التحدي من قبل حين كنت أفض شجاراً بين عددين نسبيين ادعى كل منهما أنه الأكبر (راجع “خناقة بين عددين”). تذكرت ضرورة إيجاد قاسم مشترك بين الرقمين. كما تذكرت الدور البطولي للعدد (1) في توحيد المقامات.  

        اخترت أن يكون المقام المشترك هو العدد 6 فهو حاصل ضرب المقامين (2×3)، وبالتالي يمكن جعل العدد 6 هو القاسم المشترك. ثم بدأت عملية الجمع العادية كما هو موضح في الصورة.[1]

        إذن ليست المقارنة فقط بين الأعداد النسبية هي التي تتطلب توحيد المقامات، بل أيضاً عمليات الجمع والطرح. ويمكن استلهام هذا السلوك الرقمي في حياتنا في كثير من الأمور.

        فقد أخبرني صديقي بعد أن أنهى العشاء أنه يرشح لي شخصين لينضما إلى فريق عملي، قلت له.. هل جمعتهما بشكل صحيح؟! تعجب صديقي وربما قال في نفسه؟! ما هذا المجنون؟!

لكنني كنت أعي ما أقول.. فرقم 2 هو حاصل جمع ماذا؟! ربما يقصد أنه سيرسل لي شخصين أطرافهما الأربعة سليمة (اليدان والرجلان)، وبالتالي فهو ينسب كل شخص لرقم 4، والشخص المتعافي عنده يحصل على 4/4 لأن أطرافه الأربعة سليمة، أما المصاب الذي فقد يداً مثلاً فهو بالنسبة له ¾ ، لأنه يستخدم 3 أطراف من أصل 4. ولذلك حين أرسل شخصين قام بعملية الجمع هذه

4/4 + 4/4 = 1 +1 =2

        لكنني بعد التعامل معهما اكتشفت أنه خدعني.. هاتفته قائلاً: أين الباقي.. فأجابني: أي باقي؟

قلت له باقي الشخصين؟ لم يصلني سوى ربع ممزق!!

تعجب الرسل .. كيف ذلك؟؟ لقد شحنتهما لك بنفسي.. “أكيد أنت اللي بوظتهم”!!

فأجبته.. لا والله .. استلمتهم هكذا.. أنت أخطأت في الجمع.. أنت جمعتهما على أساس أن المقام هو أطراف اليدين والرجلين، أما أنا فجمعتهما على أساس أن المقام هو العقل. أنت أرسلت ربع شخص. فكلاهما يفكر ب1/8  عقل فقط. خلايا الإبداع عندهم مقتولة.. لذلك فحاصل جمعهما هو

1/8 + 1/8 = 2/8 = 1/4

        يا سيدي .. هذان الشخصان يسيران على أربع، ويستخدمان 1/8 عقل!!          

بعد أن أنهيت المكالمة.. وقع بصري على إعلان في جريدة.. يتحدث عن الحزب السياسي الجديد الذي يبلغ تعداده 10 ألاف شخص ويدعو الناس للانضمام له.. اتصلت برقم الحزب الموجود في الإعلان.. سألتهم السؤال الذي بدا سخيفا.. على أي أساس اعتبرتم العدد 10 آلاف.. ما هو المقام؟!

ردت الفتاة: أي مقام يا أستاذ.. انت بتعاكسني؟ اسكت بدل ما أعرفك أنا مقامك.

أكملت بجدية: أتعلمين لماذا تنتصر الأقلية أحياناً على الأغلبية؟! لأننا لم نعرف على أي مقام حددنا أنهم أقل.. غالباً نحن أمام خديعة كبرى في عملية الجمع.  ربما هم أقل في أعداد أطرافهم الأربعة.. لكن من حيث العقل يتفوقون بمراحل..

قالت لي .. لم أفهم  أي شيء..

أجبتها: أعلم.. ما رأيك أن أدعوك للعشاء على وجبة البيتزا اللذيذة؟! سأريك كل شيء عملياً.. وحينها ستفهمين كل شيء!!

قالت لي بعصبية: ما هذه الوقاحة؟! أنا التي سأطلب لك شرطة الآداب.

وائل عادل

07-05-2021

———————————–

[1] الصور من موقع http://www.mathsisfun.com/

أضف تعليق