“جَرب”.. هذه الكلمة سمعتها كثيراً من المعلم أثناء الرحلة. فحين كنت أخبره بظاهرة غريبة أراها، مثل فلاشات تومض في الشقة، لم يكن يسارع إلى تفسير الظاهرة، كان يقول “راقب.. وارصد”.. فربما هي انعكاسات أنوار من الخارج، وحين أخبره أنني تنسمت في الشقة اليوم رائحة عطر ليس عندي كان يقول “استوثق”.. ربما رائحة نفاذة من شقة الجيران.. ويوم أن تملكني الفضول للقراءة في عالم الجن، إذا بمصباح الغرفة ينكسر ويكاد يسقط على رأسي، في اليوم التالي حدث نفس الشيء في مصباح المطبخ.. سألته هل هذا من عمل الجن؟ قال لماذا تسألني؟ اسأل الكهربائي أولاً.. فإن لم تجد تفسيراً طبيعياً فاتجه للبحث في عالم الروحانيات، وارصد مشاهداتك وانظر متى تتكرر. وقد تجد تفسيراً أو لا تجد.
هذه هي الروح العامة لرحلتي في عوالم الغيب.. رحلة لا تستغني عن التجربة، وترفض استسهال التفسير بنسبته إلى عوالم خفية كالجن والملائكة، فتتثبت قبل تفسير أي ظاهرة تفسيراً مزاجياً.. هكذا لمست في الرحلة تشابهاً كبيراً في بعض جوانبها مع أي رحلة علمية.
فكما يتميز العلم بمنهجه التجريبي، ويعتمد على التجربة وتكرارها ورصد النتائج. كذلك يعتمد عالم الروحانيات على التجارب حتى يستخلص القواعد أو يصل إلى النتائج، فمن يمارس أي رياضة روحية سيقوم بتكرار أمور محددة في ظروف معينة. ويستطيع أن يرصد كل التطورات التي تحدث له ثم يحصل على النتائج، أما إن كان الشخص معلماً فيمكنه رصد تجارب المئات من الملتحقين بمدرسته عبر السنين. ومن مجموع هذه التجارب يمكن الوقوف على قوانين خاصة بالمجال الروحاني. لذلك تجد المعلم الروحاني يساعدك في اكتشاف الخطوات، لأنها بالنسبة له ليست ضرباً من الحظ، بل خطوات تكاد تشكل قانوناً جامعاً، اكتشفه من مجموع تجارب من سلكوا الطريق على يديه، وإن اختلفت النتائج الجزئية بحسب قصد واستعداد كل شخص. حتى وإن اختلفت المدارس الروحية سنجد أموراً جامعة ومتشابهة، فأدوات إجراء التجارب هي الخلوة والتأمل وترتيل الأوراد. أما الزمن فيتم تثبيته قدر المستطاع لتتم الرياضة الروحية في أوقات محددة، أما المعمل فهو معبد الراهب ومحراب الناسك. وتنتهي كل هذه التجارب بتطبيقات يمكن الاستفادة منها في الواقع سواء على المستوى الشخصي أو لنفع الآخرين.
وهنا يجب التمييز بين المتخصص والمستخدم العادي، فلا يُجري التجارب في العلوم الطبيعية سوى المتخصصين، أما الناس فيستخدمون التطبيقات دون أن يبرهنوا بأنفسهم على دقة النظرية التي نتج عنها التطبيق، فقد تركوا هذا الأمر لأهل التخصص، كذلك لا يُجري التجارب في عالم الروحانيات إلا المتخصصون المؤهلون للقيام بالتجارب، ثم يقدمون للناس المنتج النهائي كعلاج المصابين أو الفراسة ومعرفة الأخبار.
لكن في عالم الروحانيات لا يقبل البعض بالمنتج النهائي، فالمستخدم يريد أن يلعب دور المتخصص ويثبت النظرية بنفسه، هو أشبه بشخص ذهب للقيام بتحاليل فقيل له لديك بكتيريا في المعدة.. فيقول أريد رؤيتها بنفسي. فإن قيل له خذ هذا الدواء، ستؤمن بوجود البكتيريا حين تزول الأعراض. فيقول لا.. أريد رؤية البكتيريا.
لذلك حتى وإن قلت لأحدهم سأريك تجربة على مصاب يمكن علاجه بطريقة روحانية إن كان تشخيص الحالة يسمح بذلك. فإن نجحت التجربة قد يعترض قائلاً هذا المصاب تم التلاعب به نفسياً، أريد أن أرى الشياطين التي أصابته بنفسي. ستسأله.. حسناً.. متى تريد أن ترى بنفسك.. فتكون الإجابة.. الآن!!
هو لا يتصور أن من يرى بنفسه بعضاً من عوالم الغيب بذل مجهوداً كبيراً حتى يصل إلى هذا المستوى إن لم تكن لديه الموهبة بالولادة. في هذه الحالة ستخبره أن يستعد بالتكنولوجيا اللازمة، فالعالِم في معمله لديه تكنولوجيا تساعده على رؤية الكائنات المجهرية، أما في المجال الروحاني فالتكنولوجيا المتوفرة حالياً هي تطور جهاز الاستبصار المودع بداخلك، وشفافية الروح. جهز أدواتك لترى!! هل يُعقل أن تدخل معمل كيمياء تصيح وتصرخ أنتم كاذبون.. لا توجد بكتيريا، لمجرد أنك لا تستطيع رؤيتها بالعين المجردة؟!
هنا تأتي فكرة التمرين.. ففي العلوم الطبيعية لا يمكن لأي شخص أن يقوم بالتجربة، فالعالِم في مجالات كالفيزياء والكيمياء يتمرن أولاً فترة دراسة تستغرق عدة سنوات، بعدها يمكن أن نطلق عليه متخصص بإمكانه القيام بتجارب متقدمة.
في عالم الروحانيات نفس الشيء، لكن التحدي أن المبتدئين فيه لا يريدون أن يتمرنوا أولاً، فبالنسبة لهم التمرين هو التجربة.. فإذا لم يصلوا إلى مستوى جيد في التمرين أنكروا الموضوع برمته، وكأننا أمام تلميذ يدرس الكيمياء، ولم يأخذ قسطاً وافياً من التدريب يؤهله لبدء التجارب، ثم يقول التجارب فاشلة!!
ذات يوم سألت المعلم.. لماذا لا أشعر بأي تقدم؟ أنا أقوم بكل ما طلبته مني، أسعى لسلامة النفس، ألتزم بالأوراد..
أجابني: هب أنك تريد التمرن على لعب كرة القدم، اعتبر كل ما ذكرته تمرينات الإحماء، لكنها في حد ذاتها لن تعلمك كيف تلعب الكرة، فقط ستهيئك لتتمرن لاحقاً دون إصابات.. وحين تكون مستعداً بعدها تبدأ تمرينات مهارات الكرة.. هل تعلم أن أغلب الناس لا يكملون الرحلة بسبب خيبة أملهم في تمارين الإحماء؟! ثم يشتكون لماذا لا نحسن تسديد الأهداف!!
وائل عادل
14-07-2020

أضف تعليق