ابحثوا عن الورقة الممزقة

بعد أن أنهى محاضرته الحماسية عن فنون التغيير، يسوق تارة تجربة مانديلا مركزًا فيها على جانبها العنيف، ثم يسوق مرات أخرى تجربة الثورة الإيرانية ليلهب العاطفة.. خرج من المحاضرة ومعه كتاب عن تجارب التغيير كان يتلو منه بعض العبارات.. سألته: هل هذا هو الكتاب الذي تتحدث منه؟ فأجاب مُرَحِّبًا: نعم.. إنه كتاب رائع ويمكنك تصفحه الآن.. تصفحت الكتاب سريعًا… لكن شيئًا ما لفت انتباهي… هناك صفحات غير موجودة!!

سألته عنها.. أخبرني بأسف أن ابنه الصغير مزقها.. ثم أسرع قائلًا.. ما رأيك نذهب للعشاء معًا؟

رحبت بالفكرة.. وأثناء تناول الطعام انسكب كوب العصير على بدلته.. بدأ بسرعة يفرغ جيوبه باحثًا عن منديل.. وفجأة.. رأيت الأوراق الممزقة تخرج من جيبه لتتمدد أمامي على المائدة!!

نظرت في القصاصات الممزقة سريعًا.. لمحت كلمات سريعة “دعم شعبي”… “قضية معاناة يومية”.. “خيار شعبي”… “ظرف دولي”.. “قيادة عبقرية”..  وغيرها من الكلمات التي لم أتمكن من قراءتها.. لكن من الواضح أنه إن تم تجميعها فستتضح لنا الصورة الحقيقية للتجارب التي كان يقصها علينا. أصابني الذهول مما رأيت.. قلت في نفسي.. الآن عرفت كيف يعمل مجرمو الفكر!!

فكثيرًا ما تساق لنا تجارب التغيير مجتزأة بشكل انتقائي لا ليوضح المبشر بالتغيير طبيعة المسار واحتياجاته، ولكن لينتصر لفكرة مقتنع بها إلى درجة يغلق معها منافذ التفكير. فتجده يحدثك أن في صفحة 20 مانديلا حمل السلاح، ولا يشير إلى صفحة 19 التي تتحدث عن وعي الناس بالقضية وما تعنيه لهم، ونسبة البشر الذي كان حزب المؤتمر الأفريقي يجسد أشواقهم في الخلاص من نظام التمييز. ما نسبة البشر الذين كانوا يؤيدون الطرف الثاني ويرون أن نظام التمييز رائع يجب دعمه؟ ما هو تصنيف القضية التي يناضل من أجلها مانديلًا.. هل كانت أقرب إلى قضايا الاستعمار الأبيض أم الاستبداد؟! لكن لماذا كل هذا العناء؟! يمكن اختصار قصة مانديلا في أنه مخرب لمحطات الكهرباء!!

يحدثك في صفحة 50 عن جيفارا ودور الأقلية في إشعال الثورات، ويخفي صفحة 51 التي أسهبت الحديث عن ضرورة إنصات القلة المبادرة لاستجابة الشعب ومركزية فكرة الحاضنة الشعبية. يحدثك عن السلمية والنضال الدستوري التركي ويخفي إخفاقات هذا المسار كذلك في بلدان أخرى.

تشعر أنك في سوق شعبي يبيع أدوات طبخ.. هذا بائع يقول لك لا طبخ إلا بالسكين، وآخر يقول لا طبخ إلا بالملح. ولا يهم البائع ماذا تريد أن تطبخ؟ المهم أن يذهب هذا إلى بيته وقد باع أكبر عدد من السكاكين، بينما الآخر باع أكياس الملح.. ويا ويل من يظهر في المنتصف ليسأل الرجل.. ماذا تريد أن تطبخ وما هي حالتك الصحية؟.. ليخبره أنه ليس في حاجة إلا لملعقة يقلب بها الفول بعد أن عرف أنه ممتنع عن الأملاح!!

هكذا نجد أنفسنا في عملية خداع للعقل، واختطاف لتجارب التغيير لتمرير أساليب تغيير سواء كانت سلمية أو عنيفة، دون توضيح الشروط التي يعمل فيها كل أسلوب. فيحدثونك عن مشاهد ويهملون السياق. يركزون على فصل ويحجبون عنك الرواية!! لأنك إن درستها بجدية ربما تذهب إلى غير ما ذهب إليه من يروي القصة

يُجرم المفكر حين يتحول إلى مسوق، يريد أن يبيعك سلعة فيبرز لك محاسنها ويخفي عيوبها، رغم أن دور المفكر هو أن يبين للناس، ويرشدهم لأدق التفاصيل التي اهتدى إليها حول شروط نجاح التغيير.

قد يكون مفهومًا أن يلجأ عموم الناس إلى القراءة الانتقائية للأحداث المعاصرة وللتاريخ. فيقومون بدور المسوق بحماس لفكرة جزئية يتعصبون لها. لكن عندما يتحول المفكر إلى مسوق فهذا نذير شؤم على أي مجتمع، لأنه يعني أن البضاعة الفاسدة ستروج، وأن التدليس سيتم باسم العِلم، وأن الكذب سيقود الشباب المتطلع للتغيير إلى حتفه.

إن كنت مؤمنًا بأي أسلوب من أساليب التغيير.. فابحث عن الورقة الممزقة، ابحث عن الورقة الأهم التي يراد إخفاؤها عنك. تلك الورقة التي بها شفرة التجربة، والتي تتحدث عن عوامل موضوعية للتغيير سبقت المنهج أو الوسيلة. ولا تخدع عقلك بقراءة التجارب الناجحة فقط التي غالبًا ما تصلك مجتزأة، والتي قد تكون أسباب نجاحها الفعلية متعددة، وليس العنصر الفعال فيها هو فقط الوسيلة. فنفس الوسيلة التي انتصرت بها حركات مقاومة هي التي قضت على حركات كانت تقاوم الظلم في بلدان أخرى. فالوقوف على أسباب الفشل سيرشدك إلى الشفرة المخفية في التجربة الناجحة. شفرة الوقوف على الأسباب التي لم تجعل التجربة تفشل مثل التجارب الأخرى التي استخدمت نفس الوسيلة وفشلت.

لا نستفيد من دراسة التجارب في اقتباس وسائل التغيير، فأساليب التغيير تتعدد وتتطور وهو مجال ابتكار وإبداع لا تقليد واستنساخ. لكننا نستفيد من التجارب الناجحة في الوقوف على منهجية تفكير من قادوها، وعن الشروط التي توفرت فأدت للنجاح.. لأن نجاح التجربة يعني انسجام منهجية التفكير مع شروط التغيير. وتأتي الوسائل في آخر مراحل الاستفادة. فعشرات التجارب استخدمت نفس الوسائل وأخفقت.

حرر عقلك.. وتأكد أن من يحدثك عن التغيير لا يكتم علمًا أو يخفي شفرة التجربة التي يحدثك عنها.. ولن يكون التأكد إلا بطرح الأسئلة الذكية على التجربة. لا تعلق بصرك على كلامه ولكن على جيوبه المنتفخة. لا تسلم عقلك.. وابحث دائمًا عن الصفحة المفقودة.. واجعل شعارك.. “فَـتِّـشُوووه”!!

وائل عادل

30-10-2014

أضف تعليق