المقاومة من أجل المقاومة

إن كانت الثورات تتعرض لنجاحات وإخفاقات على الجبهة السياسية، فإن هناك معارك ضارية أخرى تدور على جبهات لا تبصرها العين المجردة، معارك يخوضها أبطال يجسدون القيم المحركة للثورة . فجزء من الحفاظ على فكرة الثورة هو حماية ورعاية القيم المنشئة والمحركة لها.. مثل قيمة المقاومة!!

فكما أن الإنسان يأكل ويشرب كغريزة ورد فعل للجوع والعطش؛ فإنه يتمتع بغريزة المقاومة كرد فعل على الظلم. وتريد الديكتاتوريات اغتيال القيمة ونزع هذه الغريزة من المجتمعات. بنشر الخوف وسكب المزيد من براميل الظلم المتفجرة في الطرقات. والهدف.. أن تموت القيمة.. ويُنتزع جزء من إنسانيتك.. فتصبح إنساناً لا يقاوم!!

لكن الشباب المقاوم للظلم في كل مكان يعلن بجرأة إحياء قيمة “المقاومة”. فيركل البراميل بأقدامه، ويسبح في حمم الظلم الملتهبة، ليخبرنا أن المقاومة في حد ذاتها قيمة، مهما تطلبت من تضحيات. هي ليست مجرد وسيلة لتحصيل قيمة أخرى مثل الحرية أو العدالة، هي قيمة في حد ذاتها ينبغي حراستها، وفطرة وغريزة قبل أن تكون منهجاً ووسيلة. تنبع من شعور الإنسان بذاته ككائن حر مكرم لا يقبل الظلم. فهو يقف مضحياً ليس فقط من أجل الحصول على قيمة بعيدة تدعى الحرية، ولكن من أجل قيمة ملتصقة بروحه يراد انتزاعها منه، قيمة تدعى المقاومة. فيعمل جاهداً على تجسيدها حتى تظل راسخة متجددة في نفسه وفي مجتمعه.

        يتساءل البعض!! هل نقاوم من أجل المقاومة؟ نعم… أحياناً نقاوم من أجل المقاومة، حين يراد سرقة القيمة من بين ضلوعنا. فنقاوم حتى تصبح هذه القيمة سلوكاً نمارسه بعفوية، ومنطق تفكير يحكم العقل، نفكر به ولا نفكر فيه، فلا نتساءل عنه كثيراً .. هل من حق الإنسان أن يقاوم؟!

        فإن آمنا أن المقاومة قيمة فردية ومجتمعية؛ يبقى تحويلها من قيمة مجردة إلى نظام فاعل في المجتمع، مثلما تحولت عبر مراحل تاريخية قيمة المشاركة في القرار السياسي إلى نظام له آليات منتجة.

ويبدو أن المقاومة تمر بمرحلتين، مرحلة التعبير الصارخ عن القيمة من خلال الغريزة، ثم مرحلة إدارة الغريزة بتفعيلها وتزويدها بالأدوات لتصبح منتجة. والتعبير الصارخ يكون في مرحلة تأكيد حق الإنسان في المقاومة، أو لنقل مرحلة اختبار القيمة. حين يريد الطغاة إثبات أنه لا يوجد بشر لديهم كرامة، لا توجد مقاومة. وفي المقابل يخرج شباب بصدور عارية ليجسدوا المقاومة في أكثر الصور مثالية وبراءة، وأشدها أيضاً تحدياً وعناداً. ليقتلوا الخوف في نفوسهم أولاً، ثم يهدون جثته إلى عدوهم قائلين.. أنتم إرهابيون .. لكنكم لا تخيفون!!!

وحين يسقط الخوف صريعاً في المعركة، ويعجز الموت عن أن يحسمها، تشتاق المقاومة إلى الانتقال من الصرخة إلى الفاعلية. أن تعلن للملأ أنها قيمة تستحق أن تتبناها المجتمعات. فالقيمة تكتسب مكانتها من حيث أنها تقودنا لحياة أفضل، فلماذا نطلق عليها “قيمة” إن كانت ستقودنا إلى حياة أكثر بؤساً؟! هي ليست عقوبة تسوء بها الحياة، ولكنها قيمة تحسن أوضاعها. لذلك يهتم المقاوم بأن تتحول المقاومة من شعار إلى نظام فعال.

وإلى أن يتوفر النظام فعلينا أن ننظر بإجلال لمن تحركه غريزة المقاومة ولا يمتلك بعد فن إدارتها. من يقدم روحه إعلاء للقيمة، وتذكيراً للجموع بها. من يستلهم كلمات غاندي: لن يستطيعوا أن يسلبونا احترامنا لأنفسنا.. قد يحصلون على جثتي لكنهم لن يحصلوا على طاعتي.

يالها من معركة ضارية. تتجسد فيها القيمة، ويزدهر فيها المعنى. ميدانها النفوس، وجبهتها القلوب الصلبة والأرواح الطاهرة. لم يخرجوا فيها ليجيبوا على سؤال كيف نغير؟ أو كيف نحصل على حقوقنا؟ ولكن ليرفعوا قدر الإنسانية.. يجيبون على سؤال هل الإنسان كائن مقاوم أم مستكين؟! يذكروننا بأن المقاومة ليست اختياراً بل فطرة، ويقرعون الأجراس أن يا أهل العقول هلموا، نحن حملة أعلام المقاومة حتى لا تُنسى، فأين من يشيدون قلاعها؟!

وهؤلاء الأوائل الذين يضحون من أجل أن يذكرونا بالمقاومة كقيمة، ويعرضون أنفسهم للاعتقال، ويقفون ليؤكدوا أن الموت لا يردعهم عن السلوك المقاوم؛ حتى وإن بدوا عفويين إلا أنهم سيظلون ملهمين في تمسكهم بالقيمة.. فهم الذين يقدمون الإرث المقاوم، ويفجرون نبع المقاومة في المجتمع، قبل أن يصل جيل المقاومة الماهر إلى ساحة المعركة.

وائل عادل

6-9-2014

أضف تعليق