لو أطاعونا ما قُتلوا

نطق بها منافق يسكن في معقل الصحراء قبل أكثر من 1400 عام، “لو أطاعونا ما قُتلوا”.. لم تصمت السماء.. ولكنها شنت حملة قاسية على من رددوها.

البعض تروقه الحملة، فيقرر أن ينضم إليها رغم مرور قرون طويلة، شعاره “الحملة مستمرة”.. فينظر بازدراء إلى كل من يدعو للتفكير والمراجعة، ثم يقول بسخرية “أنت مثل من يقول.. لو أطاعونا ما قتلوا”.. يذكره بالمقولة وما تحمله من دلالات تاريخية!! فهل انتهت الحملة… أم أنها فعلاً مستمرة؟!

ربما يساعدنا في الإجابة على مستقبل الحملة التمييز بين مستويين من الناس ممن يتناولون قضية الشهداء. الأول هو مستوى المثبطين الشامتين، الذين يتهكمون على أناس ضحوا في سبيل فكرة آمنوا بها، حتى وإن أخطأوا في المسار. وهو ليس عتاب من يبحث عن مسار أفضل، ولكن تهكم المستهزيء الساخر الذي اعتنق العبودية. وهؤلاء يبدو أنهم خُلقوا من أجل الحملة وخلقت الحملة لأجلهم!!

أما المستوى الثاني فهم من يريدون تصويب المسار، وهؤلاء تجب معهم المصارحة بالأخطاء. فلا ينبغي أن يحجبنا مستوى الدفاع عن قيمة الفداء، عن الدفاع عن قيمة التخطيط للانتصار، وإلا وقعنا في خديعة التضحية، حيث نبرر لمن ضحوا كل ما قاموا به، فتُسلب عقولنا تحت دعاوى “من أنت حتى تتحدث عن الشهيد”!!

        في بعض الأحيان، ومن حيث التقدير الاستراتيجي؛ يصدق القول “لو أطاعونا ما قُتلوا”. فلو لم يغادر الرماة مواقعهم في أُحد لما كانت هذه المقتلة العظيمة. وهناك خيط رفيع بين “لو” التي من عمل الشيطان، و”لو” التي من عمل العقلاء. بين “لو” المثبطة الداعية إلى اليأس والجزع، و”لو” البناءة التي تدعو للمزيد من العمل، ولكن بوعي قائم على التعلم مما مضى.

“لو أطاعونا ما قُتلوا”.. هي عدة المنافقين وسلاح الصادقين وألم يعتصر المخطئين في آن واحد.. فهي عدة المنافقين للخذلان، وسلاح الصادقين في البيان، وهم يحكون القصة ناصحين لأجيال قادمة لا يريدونها أن تمر من نفس الطريق. كما يتألم منها المخطئون الذين ضلوا الطريق ويتحسسون من كلمة “أخطأتم”… ولو أنهم تدبروا الأمر لعلموا أن أحداث اليوم ستصبح مجرد قصة غداً.. لن يبقى مفيداً فيها سوى العِبرة، وستتلاشى العَبرة.

لم يكن عيب قصة المنافقين الأوائل في المقولة ذاتها، ولكن فيمن قالها، وفيما خبأته في طياتها من فساد القلوب واضطراب النفوس. وفي دورها في التثبيط المتعمد وإجهاض الهمم. أما المقولة ذاتها؛ فتحتمل أن تُقال في سياق التحليل المنطقي بعد أحداث دامية. كما تحتمل أن تُقال بطريقة شامتة، تكشف سوء ما في الصدور.

“لو كانوا عندنا ما قُتلوا”… علينا أن لا نرفضها بالجملة، بل نميز بين قائلها والسياق الذي تقال فيه. فشتان بين من يقولها وقلبه يحترق، وآخر يقولها وقلبه يرقص طرباً.. من يقولها وعيناه تفيض من الدمع، وآخر تتلألأ فرحاً. من يقولها وصور رفاق دربه الذين استشهدوا لا تغادر مخيلته، وآخر يزين عقله المريض بصور القتلة والمجرمين. من يقولها وقبضته مضمومة عازمة على الكفاح، وآخر أرخى قبضته ومزق أصابعه رافعاً علم الانبطاح!!

إن لكل صنف الرد المناسب له، فمن يقول “لو أطاعونا ما قُتلوا” بغرض مناقشة الأهداف والاستراتيجيات والتكتيكات لما فيه الصالح العام؛ كان الرد عليه: “انظر ماذا ترى”. ومن يقولها حقداً وشماتة في أرواح أُزهقت؛ نُصبت له الحملة، وكان الرد عليه هو رد السماء القاسي، الذي ألجم ألسنة المنافقين قبل 1400 عام.. “قل فادرءوا عن أنفسكم الموت إن كنتم صادقين”.

وائل عادل

14/5/2014

أضف تعليق