في طريقنا لرؤية الفهد كنت أفكر، لماذا أطلق على الأسد “ملك الغابة”؟! لماذا لا يكون الفهد؟! كلاهما من الحيوانات المفترسة ومن فصيلة القطط الكبيرة، بل إنني أزعم أن الفهد أحق باللقب من الأسد، يكفيه فخراً أنه أسرع حيوان على وجه الأرض، حيث تصل سرعته إلى 110 كم في الساعة.(1)
توقفت السيارة لتقطع أفكاري.. أخذت أبحث عنه دون جدوى. هي خبرة مرشدنا إذن التي دلتنا على المكان، أو لنقل منظاره المكبر الذي يستطلع به الأرض المكشوفة قبل أن يحدد وجهته.
أشار المرشد بيده أن هناك يرقد الفهد.. لم نتمكن من رؤيته بالعين المجردة، فقط رأينا قطيعاً من الغزلان يقف متسمراً في مكانه. أخذنا نتبادل المنظار المكبر لنراه، فقد كان يختبيء خلف مرتفع قصير، أقرب لكومة ترابية..

أول ما شد انتباهنا ضعف بنيته، فهو يختلف تماماً عن الأسد عريض المنكبين. ربما منحته الطبيعة سرعة فائقة وسلبته قوة البنية، أتصور أن هذا كان اختياره في مساومة البقاء. فبالعودة إلى بعض المراجع علمت أن الفهد في فجر الخليقة لم يكن ضعيف البنية بهذا الشكل.
كذلك لم نسمع له زئيراً.. خلناه أبكم ثم عرفنا لاحقاً أنه لا يزأر كالأسد.. عرفنا حينها لماذا لا يمكن للفهد أن يكون ملك الغابة بحال من الأحوال… لكنه عدَّاؤها بلا منازع.
الفهد كائن سريع وليس كائناً شجاعاً، فالشجاعة مردها إمكانات وثقة في القدرات، أما هو فقد تركزت مواهبه في السرعة، وصُمم خصيصاً ككائن سريع. ليكتسب لقب “عَّداء الغابة” عن جدارة. لكنه لا يمتلك الكثير من وسائل الفتك. هو صائد محترف، وقاتل هاو. كل جزء فيه يخدمه ليكون سريعاً.. جسم هزيل، رأس صغير، ذيل طويل يحفظ توازنه في العدو والمناورة، رئة واسعة مكتظة بالهواء، ناب قصير في مقابل أنف واسع يعبيء من الهواء كميات مهولة. مخالب ملتوية تمكنه من ضرب الأرض والقفز لمسافات، شرايين قوية، وقلب قوي يضخ الدم لأبعد ما يكون!! (2)
لم يدَّعِ الفهد يوماً شجاعة، فهو يعرف قدراته ، لكنه يفتخر بسرعته. لم يحرمنا من دروسه، خاصة وأنه على وشك الانقراض. تسعون في المائة من صغاره يموتون قبل يتموا عامهم الأول. كان يلقي خطبة مُوَدِّع، أراد أن يترك كلمة للتاريخ، وأن يساهم في تعليم البشر:
نقطة التميز: اعرف نفسك وحدد تكتيكاتك بناء على قدراتك. لا تستفزنك مزايدات الآخرين عليك. فالفهد لا يقلد الأسد، لأنه يعرف أنه مختلف عنه. فلا يطارد جاموساً وحشياً كالأسد، لكنه يتغذى على الحيوانات الأصغر غير العنيفة كالغزلان. هو ليس مستعداً لخوض معركة اختبار قوة، ولكنه يرحب بمعارك اختبار السرعة. فأنفه الواسع ونابه القصير يشيران إلى أن أدوات سرعته تتفوق على أدوات بطشه. لذا فهو ينسحب من معارك القوة لصالح معارك السرعة.
الوجود الطبيعي: تواجد حيث تتحقق أهدافك، واجعل خصمك يعتاد وجودك ويألفه بعد أن كان يثير ريبته وانتباهه. كن جزءاً طبيعياً من المكان، خد لونه، وتحدث بلغته، وتحرك بنفس نمط حركته. فالفهد يربض في مكانه حتى تعتاد الغزلان وجوده، تنظر إليه بين الحين والآخر، فإن نسيته تذكرها وبدأ تنفيذ خطته.
الدقيقة الفاصلة: انطلق بسرعة خاطفة نحو هدفك، فإن لم تتمكن منه انسحب حتى تسترد طاقتك وتعيد الهجوم من جديد. الفهد يقترب من فريسته قبل أن يبدأ عدوه، ولا تتجاوز المطاردة الدقيقة الواحدة. فإن لم يتمكن من الصيد تراجع. (3) فارتفاع درجة حرارة جسده أثناء العدو قد يودي بحياته. إنها دقيقة فاصلة، إما أن يتمكن فيها من الصيد، أو يموت من الإجهاد. يدرك الفهد أهمية إدارة هذه الدقيقة، ولا يستنكف العودة إن سمع صافرة ساعته.(4) والتحضير لهذه الدقيقة قد يستغرق ساعة من دراسة الأرض وطبيعة القطيع، وممارسة الصبر الجميل على الانتظار.
اصطياد الشاردين: اسع إلى كسب الشاردين، الذين يقفون وحدهم. ولا يتطلب كسبهم خوض معارك كبيرة من أجل إقناعهم. الفهد يبحث عن الشريد الذي لا يقف مع القطيع، ليس لمرض أو علة فيه، ولكن لأنه فقط شريد يمكن اصطياده بسهولة.
الدفاع عن نقطة القوة: دافع عن نقاط قوتك وحدد بناء عليها المعارك التي تخوض أو تتجنب، فتعويض نقاط القوة ليس أمراً يسيراً. رأس مال الفهود سرعتها. لذلك فهي قبل خوض أي معركة تفكر هل ستتأثر نقاط قوتها أم لا. من هنا كان ميلها إلى تجنب التواجد في أماكن وجود حيوانات من قبيل النمور والأسود والسباع التي يمكن أن تفتك بها، كما تتجنب قتال أي حيوان ضار، بل وقد تترك الطريدة لمنافسها، كما تصطاد في أوقات لا يتحرك فيها منافسوها، ثم تلتهم فريستها سريعاً حتى لا ينافسها عليها أحد، كل هذه الإجراءات خشية أن تتعرض لإصابة في المعارك تؤدي إلى فقدها القدرة على العدو.
خرجت من دروس الفهد بروح مختلفة عن تلك التي تشبعت بها بعد لقاء الأسد، الفهد يعلمنا كيف نتعامل حين تتركز قوتنا في نقطة أساسية، حينها تكون هي محور كل شيء، نقطة القوة هي ذاتها نقطة الضعف، نهاجم بها، وفي الوقت ذاته ندافع عنها.
تصلح تكتيكات الفهد للمجموعات المتخصصة التي تركز على نوعية محددة من الأهداف الصغيرة، التي تريد تحقيقها دون الدخول في صراعات جانبية. هي أقرب لمن يتبنى خط تحقيق نجاحات جزئية صغيرة.. حينها سيكون الفهد خير معلم لها.
وائل عادل
30/3/2012
———————————-
(1) Nowell, Kristin; Jackson, Peter (1996). Wild Cats: Status Survey and Conservation Action Plan. Gland, Switzerland: IUCN/SSC Cat Specialist Group. p 12
(2)Nowell, Kristin; Jackson, Peter (1996). Wild Cats: Status Survey and Conservation Action Plan. Gland, Switzerland: IUCN/SSC Cat Specialist Group.p 12
(3)http://www.catsg.org/cheetah/01_information/1_2_species-information/species-information.htm
(4) يندر أن تعدو الفهود لمسافة أكبر من 400 م نتيجة ارتفاع درجة حرارة جسدها أثناء العدو.

أضف تعليق