طز فينا

يحيا الأموات

انقلب الحوار إلى سباب.. سب خفيف.. ثم تصعيد في تراشق الألفاظ النابية، ثم دفع جسدي، ثم تمزيق للملابس، ثم اقتتال دام، ثم يُحمل أحدهما على النعش ليدفن بعد أن قضى في الاشتباك.. أما الآخر فينجو بنفسه.

كل هذه القصة لا تعنيني في شيء.. ما يعنيني هو الجيل الرابع من الأحفاد الذي استمر يتداول القصة ليثري مفاهيم غريبة جداً ومستوطنة في العقل مثل “الانتقام” و”الثأر”.. فريق يقول للآخر: “أنتم فعلتم بنا كذا وكذا”، فيرد الفريق الآخر: “بل أنتم الذين فعلتم وسننتقم منكم لجدي”.  رغم أن أحداً من الأحفاد لم يفعل شيئاً.. هم الأجداد وحدهم.

أفهم أن يدفعك الغضب لأن تقوم بما قام به جدك لو كنت مكانه، ربما يكون السلوك مفهوماً حتى وإن لم يبرره البعض، لكن ما ذنب حفيد المقتول وما ذنب حفيد القاتل؟.. كلاهما لم يفعل شيئاً، وكلاهما لن يتمكن من ردع جده في تربته – وليس مطلوباً أن يفعل، وكلاهما لن يتمكن ربما من الاعتذار للآخر عن الفاجعة التاريخية.. إذ الكل يحكي القصة بطريقة تختلف عن الآخر حسبما نقلت له، والكل يرى من سواه هو المخطيء.

هل يكون أجدادنا هم سبب ما نعانيه من ويلات إلى هذا الحد؟! أفعالهم وأقوالهم ونظرتهم لمن يخالفونهم، وفجورهم في الخصومة أحياناً.. هل كل هذا الإرث سيحدد مستقبلنا؟!

هل المقطوع من شجرة الذي لا يعرف له عائلة بات أفضل حالاً ممن له جذور في التاريخ؟ نتحدث عن أن لنا تاريخاً عريقاً.. هل هذا في صالحنا أم لا إن كان من بيننا من ينبشون القبور ويستنطقون الموتى؟… طبعاً إن سألت جدي المقتول وهو ممدد في تربته ماذا تريد مني؟ سيأمرني بقتل من قتله، لأنه ببساطة لا يعلم أن من قتله مات بدوره منذ أكثر من مائة وخمسين عاماً!!

هذا ما نفعله حين نتخذ من أقوال القدماء التي نطقوا بها في أوقات أزماتهم عدة وزاداً لنا.. حين نرجع إليهم في قبورهم ونسألهم ماذا نفعل، لنأخذ ما قالوه يوم كان خصومهم أحياء.. فنبحث عن أقوالهم .. لنقتدي بهم في حدتهم وتوترهم وسبابهم.. تأسياً بهم، قد يكونون محقين في زمانهم.. ربما .. لكن ما معنى أن ترى اليوم من يمسك بكتاب أصفر ثم يشير إلى إحدى صفحاته المتآكلة قائلاً بفخر.. “ها هو جدي يسبهم ويلعنهم”، لم ينتبه أنها هي الصفحة التي كتبها جده في شدة الأزمة، كان يلعن ويخاصم.. فتحول السباب إلى علم يجب تدريسه والعمل به، وأصبحت الخصومة سيرة يخسر متنكبها.

ماذا لو أخبرت جدك بالحقيقة قبل أن تسأله؟! أننا في عصر جديد، لقد مرت أكثر من مائة وخمسين عاماً على الحادث، ترى هل سيأمر بقتل أحفاد خصمه؟! لمجرد أنهم أحفاده، وبالتالي يعاملون معاملته ويتحملون جريمته؟!

هلا انتبهنا ما المطلوب منا؟! إنقاذ الأموات أم إنقاذنا نحن وإمهالنا فرصة جديدة للحياة؟! أخشى أن يكون خيارنا ما ندد به المفكر الدكتور محمد الأحمري يوماً حين قال: “إننا نحيي الأموات لنقتل بهم الأحياء”.  وعندها سنعلنها على الملأ.. “طُز فينا”

وائل عادل

11/1/2011

أضف تعليق