من أجل ترميم العقل
نعم.. كنت واقفاً أثناء الانفجار.. لم أكن في موقع الحدث الذي تناقل الناس صُوَرَه .. كنت في المشهد الأكبر، حيث رأيتها تهوي من الشرفات، لم أكن متأكداً هل تنتحر الأفكار الكبرى يأساً أم أن الانفجار هو الذي أطاح بها؟! كنت أرقب الحدث عن كثب وقلق، فقد تطايرت الأفكار الكبرى أمام عيني، رأيتها تتساقط دامية من شرفات العقول!!
هذا هو المشهد الذي لم يعرضه الإعلام، فأنَّى له أن يصور العقول، رغم أنه المشهد الأهم، فهو الذي سبق تداعيات الأحداث وردود الأفعال.. رصدته بعيني المدربة على رؤية الأفكار قبل أن تتحول إلى واقع!!
وحتى نفهم مشهد تطاير الأفكار الكبيرة نمهد لذلك بالحديث عن نوعين مهمين من الأفكار، أفكار صغيرة وضيعة، وأفكار كبيرة عظيمة، والأفكار الصغيرة هي أفكار متسللة إلى العقل، ومستوطنة فيه، تختبيء وراء الأفكار الكبيرة المتزنة والناضجة، التي تتطور بها المجتمعات وتستقيم بها الحياة.
في الظروف العادية تهيمن الأفكار الكبيرة على المشهد، يتعامل بها الناس يومياً، فيُخيل للناظر أن الأوضاع مستقرة وأن العقول متزنة، لكن عندما تستفحل الأزمات، ويدوي الانفجار، تتطاير الأفكار الكبيرة أشلاء، ولا تبقى سوى الأفكار الصغيرة المتسللة التي نمت في الظلام، والتي آن لها أن تعمل على مسرح الأحداث. كمعلم تسكنه فكرة التواضع الكبرى ويردد يومياً أن فوق كل ذي علم عليم، فلما تمكن طالبه من حل مسألة لم يتمكن هو من حلها؛ استجاب لفكرة صغيرة وضيعة داخله فانهال ضرباً على الصبي بحجة أنه يحرج المعلم!! وقضى على الفكرة الكبيرة.
إن الأفكار الكبيرة التي تسكن رءوسنا أشبه بأفكار تقف في شرفة عقل كل منا، هي التي تطل منه، نتواصل بها مع الآخرين، وهي التي تخاطب وتحاور أفكار العقول الأخرى في الشُرفات المجاورة، وهي في ذات الوقت تستر الأفكار الصغيرة داخل عقولنا، وفي أوقات الأزمات يحدث الانفجار المريع، ويكون أول ضحاياه تلك الأفكار التي سرعان ما تلقى حتفها،حيث يكفر بها أصحابها من جهة لأنها لم تحل دون الانفجار، بالإضافة إلى ضغط الأفكار الصغيرة عليهم من جهة أخرى، فتظهر على السطح الأفكار الصغيرة التي عاشت مختبئة طيلة الوقت في الظلام، لم تتحاور يوماً مع غيرها أو تتنفس هواء نقياً، فتهرع تطل من الشرفات يلعن بعضها بعضاً.
عندما يحدث الانفجار المدوي فكر ملياً، وانظر أي الأفكار تسكن عقلك، هل هي أفكار صغيرة أم كبيرة، أفكار الكراهية والشر أم الحب والخير؟! فإن انتبهت وسيطرت على عقلك، بقي أن تنقذ من حولك من هول الانفجار، حينها يكون التفكير على المدى القريب العاجل في كيفية ردع تلك الأفكار الصغيرة التي تسكن العقول، وزرع أفكار كبيرة بديلة تطمس تلك الأفكار، أوتعيدها إلى جحورها حتى لا تستفحل الأزمة. ولا يتم ذلك إلا بمعاونة مبادرات وسلوكيات تحتوي العقل وتضمه، حيث ينقلب الأمر في تلك الحالات، فبدلاً من أن يوجه الفكر السلوك سيكون السلوك هو منشيء الفكر، فعندما يرى الناس مبادرات وسلوكيات جديدة راقية يعاد بناء الأفكار الكبرى لديها بشكل عكسي في وقت قصير.
ويجب تجنب الاكتفاء بطرح الأفكار الكبرى والمعاني العظيمة في هيئة خطب ومقالات، أي كلام منمق، فقد يؤدي ذلك إلى نتائج عكسية، خاصة عندما تصطف الأفكار الصغيرة بكثافة في العقل كالبنيان المرصوص، حينها تحول دون دخول الأفكار الكبيرة، حيث ترشق الأفكار الكبيرة وتدميها في مشهد بائس، فتشوه منطقها وتطمس حجتها.
إن السلوك الواعي المواجه للأزمة بمثابة الانفجار الثاني الذي يعيد الاتزان للعقل، إنه انفجار المبادرات العظيم، يجب أن يكون صادماً بنفس وقع صدمة الانفجار الأول أو يزيد، يجب أن يطيح بالأفكار الصغيرة ويمزقها شر ممزق، إنه الانفجار الصادم للقناعات الصغيرة والمبدد لها.
وإن كان الانفجار الأول يفتح الباب للأفكار الصغيرة كي تتحرك بحرية وتتكاثر، فإن الإنفجار الثاني يدهس الأفكار الصغيرة ويزرع الأفكارالكبيرة، وإن كان الانفجار الأول يمزق العقل ويفقده صوابه، فإن الانفجار الثاني يعيد ترميمه وبناءه، وإن كان الانفجار الأول عتاده النار والبارود والرعب، فإن الانفجار الثاني عتاده المبادرات الذكية التي تمس عمق القلوب والعقول، فتحيي بناءها من جديد. كلاهما سمته التفجير، الأول يفجر الإنسان، والثاني يفجر كامن طاقات الإنسان.
أما على المدى البعيد فلابد من تحصين العقول بحملات لتطهيره وتنقيته من تلك الأفكار الصغيرة المتسللة، وتغذيته المستمرة بالأفكار الكبرى. فإذا ما اندلعت أزمة من جديد، ودوى الانفجار مجدداً؛ توالت وتداعت الأفكارالكبرى على الشرفات، فوج إثر فوج، كل فوج يفدي الذي يليه، ولا يدع فرصة لفكرة صغيرة كي تطل من الشرفة، عندها يصمد العقل، ويتزن السلوك.. ويخمد الدخان!!
وائل عادل
3/1/2011
أضف تعليق