وماذا فعلت أنت؟!

Published on

بوصة

لا تغير الموضوع

تمدد المريض على كرسي طبيب الأسنان..حاول أن يتخلص من توتره لكنه لم يجد مكاناً يضعه فيه، داس الطبيب بقدمه على زر فتحرك الكرسي للخلف، وأصبح المريض أقرب ما يكون إلى وضعية النوم منه للجلوس، طمأن طبيب الأسنان مريضه المسكين، لكن تحركاته لم تكن مريحة أبداً للمريض، فقد أمسك أسلحته الماضية، وبدأ رحلة الحفر في الأسنان لتظيفها، كان صوت الآلة قوياً، وكان ألم المريض أقوى.

أمسك الطبيب الحقنة بعد أن أعدها لتخدير المريض، رشقها في لثته، فكاد المسكين يصرخ.. حينها ضحك الطبيب قائلاً.. لا تخف.. نظر المريض الممدد إلى ضحكة الطبيب، فلمح فك الطبيب العلوي، كان التسوس قد أتى على معظم ضروسه، حينها صرخ المريض في الطبيب.. اتركني.. دعني وشأني… ابعد أدواتك عني، عالج نفسك أولاً قبل أن تعالج الآخرين..

تعجب الطبيب من المريض، هذه هي المرة الأولى التي يجد فيها مريضاً يحدثه هكذا، ما علاقة أن يعالج الطبيب نفسه بالموضوع، فالموضوع الأساسي أن هناك مريضاً يشكو وجاء للعلاج، الموضوع الأساسي أن هناك شخصاًُ يبحث عن دواء، أما هل المعالج بدوره لديه آلام فهو موضوع آخر تماماً؟؟ وهو بالتأكيد ليس الموضوع الذي أتى من أجله المريض.

أتصور أن الصدمة الأساسية تكمن في أنه لم يتصور قط أن مريضاً يمكن أن يعالج مريضاً آخر، حتى لو كان الاثنان يشكوان من نفس المرض.. نحن إذن أمام مريضيْن في العيادة، أليس كذلك؟!

لا.. هذه هي النظرة التي تبدو للوهلة الأولى، لكننا في الواقع أمام شخصين، أحدهما مريض، وهو موجود في العيادة بهذه الصفة، والآخر طبيب مريض، وهو موجود في العيادة بالصفة الأولى لا الثانية. ولا يمكن أن نصف كليْهما بـ”المريض”، ونساوي بينهما، لأننا لا يمكن أن نقول لهما هيا بدِّلا أداوركما.. فيتمدد الطبيب على الكرسي، ويمسك المريض بالآلة!! أليس كلاهما مريض؟!

الاثنان يعانيان، لكن الطبيب عالم بالداء والدواء، حتى لو قرر أنه لن يتجرع الدواء على مستواه الشخصي، قد يكون خائفاً أو كسولاً.. فليكن.. كل هذا لا ينفي عنه أنه طبيب قادر على ممارسة المهنة، وأن لدينا في العيادة مريضاً واحداً فقط.. هو المطروح على الكرسي ولا يملك من أمر نفسه شيئاً!!

إن كان كلنا مرضى فعلينا ألا ننتظر أن يداوينا أقوام بكامل صحتهم، ليس بالضرورة، المهم أن يتميزوا عنا بالعلم والمهارة والرغبة الصادقة في مداواتنا.

وعندما يكون الدواء مراً، وأدوات العلاج قاسية، ونجد أنفسنا مضطرين للصراخ أحياناً؛ فيجب أن لا تحرفنا الصرخة عن مسارنا، هذه آلام أمراضنا نحن، ولا يجب من فرط التوتر أن نتحدث مع الطبيب في موضوع آخر تماماً.. كأن نقول له.. داو نفسك أولاً!! يجب أن ننتبه.. أننا نحن المرضى، وأن هدفنا كان أن نبرأ مما حل بنا، فلا يصح أن نترك الكرسي بحجة أن الطبيب أيضاً مريض، خاصة أنه بارع في العلاج. فكونه مريضاً لا يعني عجزه عن إتمام العلاج بنجاح..

ترى هل نعي ذلك في واقع الحياة؟! ألم يحدث معك أن كنت تحدث شخصاً عن مؤسسته أو حزبه؟! وعندما يؤلمه الحديث يغير الموضوع فجأة صارخاً فيك: وأنت ماذا فعلت؟! ليتحول من النقاش عنه للنقاش عنك، يبدل الأدوار لتستلقي أنت على الكرسي؟! ثم يقول لك بحزم وصرامة: افتح فمك!! ولا يريد إلا أن يسمع منك سوى كلمة واحدة.. قل “آآه” ..

انتبه ولا تستسلم بهذه السهولة.. وتمسك بأدواتك أكثر، خاصة إن كنت عالماً ماهراً، ولا يرهبنك الصراخ، فهو يصرخ ويقاتل من شدة الألم، بعد أن أعملت آلة إزالة التسوس في رأسه.

وائل عادل

18/10/2010

أضف تعليق