ما ذنب هؤلاء الأطفال الأبرياء، الذين يزج بهم في المدارس كل عام بغير ذنب اقترفوه، ليزداد عدد الضحايا.. وتزداد مهمة تحرير العقول تعقيداً؟!
فعملية استهداف عقل الطفل تبدأ من بائع الفول، الذي يصب يومياً في عقله اسمنتاً يستعصي على الكسر، وهو حَسَن النية في ذلك، فهو يؤهل الطفل للتعامل مع ما يجري في اليوم المدرسي من أمور تمسح الدماغ، فيجعل عقله مصفحاً ومضاداً للفهم!!
يدخل الطفل أول يوم ليجد المدرسين مزروعين في فناء المدرسة كالمخبرين، يرمونه بنظرات حادة، ثم ينهره نداء منبعث من مكبر الصوت يدعوه للاصطفاف مع زملائه ليبدأ الطابور، يخرج الناظر بنظارته المقعرة، وشاربه المفتول، يبتسم للأطفال ابتسامة صفراء، يعدهم بأجمل أيام حياتهم.. شريطة أن يدفعوا رسوم العام الدراسي في موعدها، يطمئنهم أن المحترم سينال كل الاحترام، والمحترم طبعاً هو الذي يطيع الأوامر ويؤدي واجباته ويقلم أظافره ويقص شعره!!
وبعد اليوم الأول يأتي الطفل إلى المدرسة حاملاً فوق ظهره حقيبة ثقيلة جداً، معبأة بالكتب والكراسات ونذر من الطعام، يعلق على كتفه قارورة ماء أو “زمزمية” كأنه ذاهب إلى حرب في صحراء العلم والمعرفة. ترى الحافلات تنقله مع زملائه إلى الجبهة.. في معركة لا ناقة لهم فيها ولا جمل..
لكن هناك أطفال لا تستكين.. تتمرد… سمتها الصبر والثبات، لو قُطعت إرباً لن تستذكر دروسها، أو تؤدي واجباتها، ولن تقف في الطابور، وبالطبع لن تحمل تلك الحقائب، تُضرَب يومياً وتُعَلق وتذوق من صنوف العذاب.. لكنها على عهدها ماضية، وكلما زاد الأذى تقسم أنها في دربها سائرة.. تصيح بعزيمة لا تلين.. “أحد… أحد”، فهي تنتظر يوم الأحد.. يوم أجازتها الأسبوعية!!
لست أتحدث هنا عن الطلبة الكسالى الذين كانت تسح أنوفهم ولا يمسحونها.. لا .. لا… لست أعني هؤلاء… إنني أعني الأطفال الواعين النشطين.. لم يكونوا يتوقعون من أول يوم لهم في المدرسة أنهم سيكرهونها إلى هذا الحد، ربما كانوا وهم في عامهم الخامس – كسائر الأطفال – يتمنون دخول المدرسة، وحمل الحقيبة، لكن انتهى بهم الأمر إلى التمرد..
لم يكونوا يحملون حقائب، أو ربما حملوها فارغة، لم يكونوا يحضرون معهم طعاماً، فهم يعيشون على غنائم معاركهم اليومية، يأخذون بعض الطعام بالحسنى، أو ينتزعونه من يد طالب قبل أن يلامس شفته. كانوا كذلك يعيدون الحقوق للطلاب المظلومين أحياناً…
يتطور بهم الأمر بعد عدة سنوات لتراهم يقفزون من فوق السور، كنت أنظر إليهم كمشاغبين فاشلين.. أو هكذا أريد لنا أن نراهم حينها..
هؤلاء الأطفال أراهم اليوم بعين مختلفة.. هم من جُبلوا على التمرد، بالتأكيد لم تحتفِ بهم مجتمعاتنا، وصمتهم بالفاشلين، لأنهم معترضون كلية على هذا النظام الدراسي، ولا يكتفون بالإنكار القلبي كما كان يفعل الطلاب المتفوقون أو الملتزمون بدراستهم، فقد كانت الدراسة للطلبة المتفوقين ومن دونهم دواء مراً واجب الابتلاع يوفر صحة وعافية على المدى البعيد.. أما هؤلاء الطلبة فقد كان رفضهم جهاراً، لم يكن معظمهم أغبياء كما حاول المدرسون أن يصوروهم لنا، كانوا أذكياء.. لكن ذكاءهم في ميادين أخرى، وربما لم يكونوا يعتبرون الرضوخ للبرامج التعليمية ذكاء!!
كانوا شجعاناً.. ثائرين.. يتصرفون بفطرتهم، ويصبرون ويثبتون في سبيل قناعاتهم… كانوا ساخطين على التعليم.. ليس لأنهم لا يريدون التعليم كلية.. لكنهم كانوا لا يريدون هذا التعليم تحديداً!! هم المجموعات التي آثرت ألا تصمت أمام قسوة المناهج وصلف المدرسين، أما أنا وزملائي.. فكنا المتفوقين الصامتين!!
هذه بعض ملاحظاتي على الحياة المدرسية التي عاشها معظم جيلنا، آمل أن يكون الأمر قد اختلف الآن!! أبحث اليوم عن هذه النوعية المتمردة بعد أن كبرت وشقت طريقها في الحياة، منهم من يُسرت له أسباب الحياة، ومنهم من تعس وندم.. أرى أن المجتمع أساء إليهم كثيراً حين نبذهم ونعتهم بالفشل… حاول أن يجعلهم عبرة لمن تسول له نفسه عصيان النظام التعليمي.
أفكر.. لو عُدتُ طفلاً بنفس وعيي اليوم… هل عليَ أن أكون الطالب المسالم الذي يحصد أعلى الدرجات، والمنحني أمام نظامه التعليمي والخاضع له؟! أم أنضم إلى المعسكر الآخر… أجلس في آخر الفصل وأعلن العصيان؟!
وائل عادل
23/09/2010
أضف تعليق