مدينة البهلوانات

Published on

بوصة

فن إمساك العصا

رائع عرض السيرك.. أتعجب!! كيف يسير هذا الشاب فوق الحبل المثبت على ارتفاع شاهق!! لا يملك من الأدوات سوى قوة إرادته وأعصابه.. وعصاه التي يمسكها من المنتصف ليحفظ توازنه..

صفقنا له بحرارة.. شعرت أنه يستحق ذلك.. بعد انتهاء العرض خرجتُ في قمة السعادة.. لكن للأسف.. لم تدم سعادتي طويلاً!!.

فبعد أن خرجنا رأيت الشاب البارع في طريقنا.. كان يمسك العصا بالعرض، رغم أنه على ظهر الأرض، وليس معلقاً في السماء، وكان يمشي ببطء شديد كأنه يسير على الحبل، بدأت الأمور بحوار مازح معه من جمهوره، ثم تطورت إلى شجار عنيف.

سببت عصاه مشاكل كثيرة، خاصة أنه مصمم على إمساكها من المنتصف.. صدم بها أناساً كثيرين، وتهشمت بسببها نوافذ عدة أثناء تحركه يميناً وشمالاً، أخذنا نقنعه أنه هبط على الأرض بسلام، وأن الأرض لا تحتاج إلى عِصِيّ.. نعم الرصيف مرتفع قليلاً لكن يكفيه أن يُسَمِّي الله، وبإذن الله لن يسقط من فوقه.. كانت تتملكه سعادة تغيظ، خِلته وُلد هكذا وأن العصا ملتصقة بيديه، لكنه رفع يده ليهرش مُبَدِّداً حسن ظني فيه!!

في مدينة البهلوانات تكثر المشاكل الناتجة عن إمساك العصا من المنتصف، الناس تسير في الشارع تحمل عصياً، تمسكها بالعرض من منتصفها، يوخز بعضهم بعضاً، يغرسها أحدهم في بطن الآخر دون قصد، العِصِيَ تملأ كل مكان، لكن للأسف.. أغلب الناس يمسكونها من خصرها، من المنتصف تماماً، فيؤذي بعضهم بعضاً، ويخدش بعضهم أنوف بعض، الكل يسير ببطء شديد، يرفع قدمه للأمام ثم يؤخرها بحذر شديد، ولا يتوقف أحد لاستدراك الأمر.. فهذا طبيعي جداً.. أليس من الحكمة إمساك العصا من المنتصف؟! منظر عجيب في الشوارع.. بشر يكادون لا يتحركون… يحملون عِصِيَّاً بالعرض.. الكل يضرب الكل.. والكل حكيم بالطبع.

خِلتُ الأمر يتوقف على العوام، وأن ثقافة اتخاذ المواقف مفقودة، لكنني اكتشفت أن ثقافة الحكمة الزائفة مغروسة غرساً بفعل كثير من النخب، فلا تخلو الشوارع من نخب يمسكون أيضاً العصا من المنتصف، جعلوها موضة تدل على الحكمة والعبقرية والدهاء، والذين يمسكون العصا من المنتصف دائماً ينتشون لأن خصومهم لم يتمكنوا من تسجيل خطأ عليهم.. لقد تجنبوا سخط أعدائهم.. لكن أتراهم حازوا إعجاب أنصارهم؟!

ما قيمة العصا إن أمسكتها من المنتصف، إلا أن تكون بهلواناً أو لاعب سيرك تمسك عصاك بقوة لا لتضرب بها، ولكن لتُجنبك السقوط من فوق حبل الأحداث..

قد تمسك العصا من المنتصف كلاعب السيرك فتحفظ اتزانك، أما أن تفعل ذلك في كل موقف فهذا يجعلنا نتأمل ملياً.. هل تمسك العصا أم أنك معلق فيه!! هل أنت قائد أم بهلوان!!

إن إمساك العصا من المنتصف ليس بالضرورة دلالة حكمة وتعقل… لأن الحكمة تقتضي أن تعرف استخدامات العصا، لا أنكر إمساك العصا من المنتصف، لكنني أنكر ألا يتقن الإنسان سواه، يجب أن يكون لعصاك مآرب أخرى، فيمكن أن تمسكها من طرفها لتتوكأ عليها، أو تضرب بها الأرض فتفجر ينابيع الماء، أو تلوح بها في وجه أعدائك فيخيل إليهم أنها حية تسعى، أو تضرب بها البحر ليبتلع فرعون وجنوده.

أقول لمن يمسك العصا من المنتصف في كل مرة… ويفتخر بأنه يتقن ذلك.. تأكد.. ما الذي تمسك به من المنتصف وتضغط عليه بشدة.. هل هي عصاك أم عنقك؟!.. توشك أن تقتل نفسك في وعي جمهورك!!

وائل عادل

21/09/2010

أضف تعليق