الحقيقة حطمتنا
نعم.. هذه هي الحقيقة المرة.. الكل فقد الذاكرة.. إن لم يكن بعضنا سقطت من رأسه بعض مكونات العقل الدقيقة.. ضُربت الذاكرة في مقتل، لم يكن فقداناً طبيعياً يقتصر على نسيان بعض الأحداث والمعلومات، لقد مُحيت المعلومة الأساسية، أن هناك عقلاً له وظائق محددة، لم نعد نعرف ما العقل؟ كل ما كنا نعرفه أننا كثيراً ما نجدنا في حاجة لأن نهرش على سطحه، لم نعد نتذكر أن العقل هو مركز التفكير، فضلاً عن تذكر كيفية تشغيله!! فقدنا كل الملفات التعريفية بالعقل، شعرنا أن له علاقة بالأذن، وأنه عندما ينتابنا الصداع فهذا دليل على جوعه، صرنا نغذيه بالبرسيم.. ندخل الأعواد الخضراء له من خلال الأذن!! هذا هو ما اكتشفتُه بعد الحرب!! عندما أعلَنَتْ أحداث الواقع الحرب على أفكارنا!! وعندما استعدتُ الذاكرة..
بدأتْ قصة استعادة الذاكرة عندما صُدمتُ في رأسي، عندما انهار العالم من حولي، عندما رأيت مذعوراً الأفكار التي تسكن عقلي تتهاوى أمام قصف الواقع لنا، وسبيه أحلامنا، انهار عالمي الذي بنيته في مخيلتي عن الواقع وكيفية تغييره، حينما رأيت أفكاري تُقتل أمام عيني، وهي لا تملك حيلة إزاء الواقع العنيد..
ومع الحرب التي شنها الواقع بكل غطرسة على عالم أفكارنا، ومع الاختبار الميداني الحقيقي لأفكاري الهشة أمام أحداثه المتتالية؛ كانت تلك الهزات العنيفة لرأسي، التي أطاحت بي بعيداً هناك؛ فبدأت أتذكر.. ياااااا… يا للصداع!!
نظرت من حولي.. فإذا بآخرين مثلي يفيقون، يمسكون برؤوسهم، قد استعادوا الذاكرة بعد أن طرحتهم الأحداث أرضاً، كانت تتدلى من آذانهم حزم البرسيم التي التقموها قبل الحرب.. نظروا إليها فتملكهم الأسى.. أين كانوا يذهبون إذن بالأفكار؟؟ يمضغونها بأفواههم؟!
بدأنا نتعرف على أنفسنا، وبقدر ما سعدنا لاستعادة الذاكرة كان حزننا بالغاً على تلك السنوات التي مضت في الغيبوبة.. كنا ننظر للناس من حولنا نهتف في أعماقنا.. “متى تفيقون؟!”
مر علينا نفر ممن لا يزالون يفقدون الذاكرة، كانوا يحملون حزم البرسيم.. سألونا: هل تريدون ملء الجردل؟ وأشاروا إلى رءوسنا، وضعنا أيدينا على رؤسنا مذهولين: جردل؟! هل كنا نسمي العقل “جردل”؟ فأجهشنا بالبكاء حسرة على حالنا وما أصابنا..
قررت مع أصدقائي الذين استعادوا الذاكرة أن نعيد بناء عالمنا المنهار من جديد، وأن نساعد الناس على استعادة الذاكرة، بدأنا رحلة تحرير العقول، رحلة شاقة لكنها ممتعة، اعتمدنا تعريض العقول للصدمات، عقولهم وعقولنا، وأثناء الرحلة كنا كل يوم نتذكر المزيد عن عقولنا، ونكتشف العجيب من أسرارها، ونستجمع القوانين التي تنظم حركة الأفكار فيها..
اكتشفنا أننا فقدنا الذاكرة بسبب فكرة تسللت إلى العقل.. تسمى “الحقيقة”، تلك الفكرة التي كانت حجر الأساس لبناء عالم في أذهاننا لا وجود له، وهو العالم الذي حطمه الواقع لاحقاً، لم تكن فكرة عادية من الأفكار التي تدخل وتخرج، لقد استوطنت في مركز اعتماد الأفكار، ضللت العقل فجعلته يدمغ كل فكرة فيه بطابع “الحقيقة الكاملة”، لذلك كنا نعتقد أننا نمتلك القول الفصل في الفكر والعمل، وأن عالمنا الفكري متين البنيان، شاهق كالقلاع، يستعصي على القصف!! كنا زاهدين في أفكار الآخرين، نؤمن أن على الجميع أن يأتي حبواً ليتعلم منا، كانت فكرة فاتنة، ساحرة، تذهب بالألباب .. وقد كان!!
كذلك كنا في هذه القلعة الحصينة التي صنعناها من وحي خيالنا نرى أننا على أتم استعداد لمواجهة الواقع في أي موقعة كي نصرعه بالضربة القاضية.. وكيف لا ونحن نحمل “الحقيقة”؟! وعندما حانت المواجهة مع الواقع إذا بأفكارنا تولي الأدبار!!
أشكر الأحداث الجسام التي جعلتني أفيق، فلم نكن لنتعرف على استحواذ هذه الفكرة على عقولنا لولا الهزات القوية، فقد حركتها من مركز اعتماد الأفكار وأصبحت تتحرك وسط الأفكارالعادية، فانكشفت وتعرت، أمسك كل منا بملقط، وبدأ ينزع تلك الفكرة من عقل زميله، كانت عملية مؤلمة لكنها ضرورية، مكنتنا من تذكر المزيد عن العقل ووظائفه. علمنا بعد استجوابها أنها هي التي محت كل الوثائق التعريفية بالعقل.
لم ينغص رحلتنا إلا مشهد مؤثر لبعض من لم يحتملوا الصدمة، فبعض من استعادوا ذاكرتهم، ورأوا كيف انهار عالمهم الذي كانوا يعيشون فيه، ووجدوا أنفسهم عراة في صحراء الفكر، وأدركوا أن عليهم بناء عالم فكري جديد؛ رأيتهم يضربون رءوسهم في الأرض بقسوة.. لعلهم يفقدون الذاكرة من جديد ويعودون إلى عالمهم القديم!!
وائل عادل
30/09/2010
أضف تعليق