البالوعة مسدودة

امنح عقلك فرصة كي يتنفس

الطبيب يراقب بحذر بالغ أجهزته الموصولة بدماغ مريضه في غرفة العمليات.. التوتر يخيم على الموقف والأنفاس محبوسة.. سبع ساعات في غرفة العمليات كأنها دهر… بدأت علامات الارتياح تنقش وجه الطبيب.. فالمريض أوشك أن يفيق..

الطبيب يتمتم بهدوء: ها هو عقله يبدأ في التنفس.. شهيق.. زفير … شهيق … زفير…
صرخ فجأة: وجدتُها… الحمد لله .. نجحت العملية…
خرج الطبيب والسعادة تغمره، فهو يثق أن هذه هي العملية الأولى من نوعها.. وهي ليست مجرد عملية صعبة لم تتوفر تقنياتها من قبل، لكنها اكتشاف… اكتشاف مذهل سيغير مسيرة الإنسان وأداءه.. لذلك لم يندهش الطبيب من هذا العدد الهائل من وسائل الإعلام التي تنتظره في تصريحه الصحفي الأول بعد العملية.
أخرج الطبيب ورقة من جيبه.. بها كلمته التي أُعدت خصيصاً لهذه المناسبة، استهل حديثه الصحفي قائلاً:
على مدار سنوات طويلة كنت أبحث عنها… البالوعة.. أين البالوعة التي في العقل؟؟ لطالما قلبت بيدي تلك الدماغ، كنت أؤمن أنها ليست كتلة مصمتة، ليست زلطة…أعلم أن هناك دماغاً مثل القلقاسة، وأخرى مدكوكة كالبطاطا… وهذا ليس موضوعنا… لابد من وجود تجويف في الدماغ لتصريف مخلفات الأفكار. لابد أن هناك بالوعة في مكان ما!!
لم يتمالك الصحفيون أنفسهم فانطلقت ضحكاتهم…
صرخ الطبيب وقد تغيرت نبرته بشكل مفاجيء .. ألا تكترثون بما أقول أيها الأغبياء؟!
تَكَوَّم الصحفيون وانكمشوا في مكانهم بعد أن مزق الطبيب ضحكاتهم بصرخة واحدة..
عاد إلى هدوئه مجدداً وقد نظر إلى الورقة قائلاً: العقل يتنفس ليحصل على الفكرة مثلما تستخدم تقنية التنفس لتزويد الرئتين بالهواء.. التنفس يعني دخول هواء، ثم استخلاص الأكسجين، وطرد ثاني أكسيد الكربون. إنه طريق ذو اتجاهيْن، ذهاب وعودة!!
والعقل أيضاً يجب أن يتنفس وإلا ماتت فيه ملكة التفكير، فكما أن الإنسان يحتاج إلى فكرة تدخل، فهو بحاجة إلى أخرى تخرج، لا يمكن أن يعيش العقل بشهيق فقط.. لابد من زفرات تطرد بعض الأفكار، امنحوا عقولكم فرصة لتتنفس، فزوار العقل لا ينبغي منحهم جميعاً إقامة دائمة، لابد من إخراج الأفكار الفاسدة. لذلك كان إيماني يزداد يوماً بعد يوم بحتمية وجود بالوعات في العقل، فعقل بلا بالوعات لتصريف الأفكار الفاسدة سيكون مرتعاً للبعوض والصراصير وبكتيريا الأفكار.
رفع أحد الصحفيين يده للسؤال..
نظر إليه الطبيب بريبة.. ثم قال له بصوت قلق: أشعر أني رأيتك من قبل…
تجاهل الصحفي تعليق الطبيب وقال: لكن هناك أناساً بالفعل منفتحين على الأفكار، يقبلون دخول كل الأفكار إلى العقل، الأمر لا يتطلب بالوعات.
رد الطبيب في ثقة بعد أن ألقى نظرة عميقة على ورقته:
الانفتاح لا يعني القبول فقط، إنه يعني أيضاً التَرْك، يُظهر البعض انفتاحه على جميع الأفكار قائلاً: “أنا أقبل جميع الأفكار”، لكن ترى هل هذا دليل كاف على الانفتاح؟ أم قد يكون برهان انسداد؟!! حين تجده في المقابل ليس مستعداً للتخلي عن أية فكرة لديه لصالح أخرى أفضل. الانفتاح يعني أبواباً مشرعة، أفكاراً تدخل وأخرى تخرج، وإلا تحول العقل إلى سجن للأفكار موصد الأبواب. لذلك عندما نرى شخصاً يزعم الانفتاح على الأفكار، يراكم الأفكار بعضها فوق بعض، ولا يتخلى عن أي فكرة، عندها من حقنا أن نصرخ في وجهه.. البالوعة مسدودة!!
لنعد إلى موضوعنا.. ما شغلني هو أين نجد هذه البالوعات، فهي بالتأكيد ليست حفرة الأذن، أو فجوتي الأنف، أو مغارة الفم.
تعالت ضحكات الصحفيين مجدداً..
تََفل الطبيب في وجوههم قائلاً بعصبية: لست أمزح.
ثم استطرد بجدية بالغة وهو يتابع ورقته: هذه هي منافذ دخول الأفكار، فهي تدخل عقولنا من خلال ما نرى.. أو نسمع.. أو ننطق، بصفة عامة حواسنا هي التي تمد العقل بالأفكار الخام، بالمادة الأولية، ثم يبدأ العقل في تدوير مصانع الإنتاج لديه، فيطور فكرة، ويهذب أخرى، ويتخلص من أخرى، وفي هذه العملية تتراكم بعض النفايات الفكرية المضرة بالعقل، إن لم يتخلص منها يتكثف دخانها ليشكل سحابة سوداء تحجب الرؤية وتعطل التفكير!! كالأفكار القديمة التي لم تعد صالحة، لكنها تطاردك كأنها منحوتة على جدارالعقل تظهر لك بين الحين والآخر..
صاح الصحفيون جميعاً بإعجاب: رااائع
حتى أنا… وجدتُني معجباً بما يقول.. رغم أنني أنا الذي كتبت له الورقة التي يقرأ منها، بنفس ترتيب الأسئلة الذي أُعِدَّ سلفاً، نعم.. فقد نسيت تماماً أني في مشفى المجانين، وأن الصحفيين هم مجموعة من الأطباء وبعض موظفي إدارة المشفى، وأن هذا الشخص المتقمص شخصية الطبيب هو أحد المرضى، كان حماسه مذهلاً في عرض ضرورة تصريف الأفكار وتنفس العقل وتأكيد أن التخلص من الأفكار لا يقل أهمية عن اقتنائها… شعرت أن الكلمات التي كتبتها له بعفوية تنبض بالحياة.
لم أنتبه إلى أني في المشفى إلا حين خرج عن النص، حين أعلن أمام الملأ الصحفي عن اكتشافه المذهل لمكان البالوعة وكيفية تصريف الأفكار، فقد قال بكل ثقة بعد أن ألقى الورقة أرضاً كأنه ضاق بكلامي غير المفهوم والمبالغ فيه:
لقد أجرينا العملية على مدار سبع ساعات، أطفأنا مكيفات الهواء، أغلقنا جميع النوافذ، أوقدنا بعض المدافيء، وفجأة بدأ العرق يتصبب على جبهة المريض.. أخذت أقلب جبهته وأمسح العرق، فكان يتصبب عليها من جديد… حينها هتفت فرحاً.. وجدتُها… إنها الأفكار تَتَبَوَّل!!

وائل عادل

23/8/2010

أضف تعليق