وحدة الهدف لا تكفي
دعاني أحد الأصدقاء لمشاهدة فيلم في إحدى دور العرض السينمائي، كان العرض مشوقاً ومؤثراً.. أما أشد ما أثر في.. فكان رأس الشخص الجالس أمامي، كاد يجعلني أبكي.. فهو يحجب عني نصف الشاشة!!
فكرتُ أن أكلمه.. أن أطلب منه أن يخلع رأسه مؤقتاً ويضعها على المقعد المجاور له.. لكن للأسف كان المقعد مشغولاً.. ضقتُ ذرعاً بالأمر، فأنا لم آتِ كي أشاهد فيلم “الرأس العملاق”.. ابتكرت في النهاية وسيلة للمشاهدة، كنت أضع عينيْ في المسافة الفاصلة بين رأسيْ من يجلسان أمامي، ومن هذه الثغرة أصوب وأطلق النظرات.. لكن حتى هذه الخطة لم تنجح، فقد تصادف أنهما متزوجان حديثاً أو شيئاً من هذا القبيل، كانا بين الحين والآخر يُميل كل منهما رأسه على رأس الآخر.. فكانت الثغرة تُسد تماماً.. فلا أرى إلا ظلاماً.. حتى كدت أنتظر أن تُسدَل أسماء منتجي الفيلم في النهاية على سواد رأسيهما.
طبعاً كان كل هذا بسبب أن قاعة العرض لم تصمم كمدرج، ولكن صُممت كسرادقات العزاء، كراس متراصة في مستوى واحد، كل رأس يقابله رأس عنيد.
أتى شخص بعد مرور نصف ساعة من الفيلم يهرول مسرعاً، رمى نفسه على الكرسي المجاور لنا بأنفاس مضطربة، سأل صديقي وهو يلهث: هل الفيلم بدأ منذ فترة؟؟ فأجابه: منذ نصف ساعة؟؟ سأله ثانية: هل مرت أحداث مهمة؟؟ حينها وجدت أن عليّ أن أتدخل قبل أن ينفد صبري.. قلت له: أنصت إلى من يجلس خلفنا، يبدو أنه شاهد الفيلم عدة مرات، وهو يحكي الفيلم بصوت عال عذب رخيم، أنصت إليه واستمتع بمشاهدتك..
خرجتُ متعجباً.. لماذا نحجب عن أنفسنا متعة المشاهدة الواضحة؟! إذا أردنا أن نجتمع جميعاً في مكان واحد فهذا يتطلب نظاماً دقيقاً في كيفية الاجتماع، وموقع كل شخص من الاجتماع، وحدود تدخله سواء بالصوت أو الصورة.. الكل جاء من أجل هدف واحد، لا أحد يحمل ضغينة لأحد، لكن للأسف انتهى الأمر بمعركة بين المشاهدين، بعدما حاول كل شخص اقتلاع رأس من أمامه.. من أجل أن يحقق الهدف الذي أتى من أجله، والذي اتفق الجميع عليه سلفاً.. مشاهدة الفيلم!!
لا يكفي أن نتفق على هدف واحد نعمل من أجله، فقبل دخول صالة العرض سنتبادل الابتسامات، لكن بعد الدخول سيكون وصول كل شخص إلى هدفه هو المطلب الأساس، وستجد أشخاصاً يصرون على حشر رؤوسهم في شاشة العرض ليظهروا مع كل لقطة… أو يقحمون أصواتهم في الفيلم كجزء من مؤثراته الصوتية..
أرى البعض يكثر من المناداة بوجوب وحدة الهدف، ويحاول إقناع أكبر قدر ممكن ليدخلوا معه صالة تحقيق الهدف، تماماً مثل صديقي الذي أقنعني بحضور الفيلم، لكن وحدة الهدف ليست كافية كي تجمعنا بشكل بناء، لابد من تمكين كل شخص أو مجموعة من تحقيق الهدف، ليس ذلك فحسب، وأن تكون مستمتعة بما تقوم به، وإلا فسيتحول التجمع إلى مناسبة للفوضى، إن لم يؤدِّ إلى تحطيم الهدف كلية، كهذا الذي جاء متأخراً ودمر جهاز العرض من فرط غضبه!!
لقد تعلمت أن نحسن اختيار من نشركهم معنا في تحقيق الأهداف، وأن يكون هناك قدر ما من القبول والتوافق بين المشاركين، وأن الحرص على الاستغناء عن إشراك البعض له نفس أهمية الحرص على إشراك البعض الآخر، فهذا الشخص الثائر لم تكن مشكلته مثلي أنه رأى رأساً عملاقاً أمامه، كانت مصيبته أن رأس خطيبته هي تلك التي كانت تتكيء على رأس الجالس أمامي!!
وائل عادل
29/7/2010
أضف تعليق